القمص يوحنا نصيف
 
 من القصص الجميلة التي حدثَت في الهيكل، أنّ الربّ يسوع المسيح شاهَدَ أرملةً فقيرةً تضع في الخزانة فِلسَيْن فقط، وهما كلّ ما تملك، فقال عنها أنّها
 
أعطَت أكثر من الجميع (لو21: 1-4). القدّيس كيرلّس يقدّم لنا تعليقًا غنيًّا على هذه الواقعة، فيقول:
 
 اليوم ينفَتِح أمامنا منظرٌ من مناظر التقوى، مع يسوع كَحَكَمٍ قانونيّ للمباريات، والذي بقرارٍ عادل يُوَزِّع الأوسِمة والنياشين للذين دُعوا للمشارِكة في السباق. والأشخاص الذين تُقَدِّمهم لنا هذه المباريات ليحوزوا على إعجابِنا، ليسوا هُم عازفي قيثارات، ولا هُم مُصارعين مَهَرَة.. بل هم أولئك الرحماء وذوو العطف الذي يَشهَد لهم المُخَلِّص نفسه بقوله: "طوبى للرحماء لأنّهم يُرحَمون" (مت5: 7).
 
هؤلاء كان المسيح يراقبهم وهم يلقون قرابينهم في الخزانة.. فهو يَنسِب لنفسِه ويحسبه كقرابين، كلّ ما نفعله للإخوة الذين أضناهم الفقر، لأنّه قال: "الحقّ أقول لكم بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغِر فبي قد فعلتم" (مت25: 40)، ومكتوبٌ: مَن يُحسِن إلى الفقير يُقرِض الربّ" (أم19: 17س).. إنّ أعمالنا وأفعالنا تُعمَل لِمَن هم رفقاؤنا وإخوتنا، ولكنّ الله يأخذها لنفسِهِ، لأنّه محبّ للبشر، ويحسبها كثمرٍ روحيّ.
 
الأغنياء.. لكونهم يمتلِكون ثروة كبيرة وغِنًى وافِرًا، فإنّ العطايا التي قدّمها كلّ واحد -كما يبدو- كانت كبيرة في حدّ ذاتِها، ولكنّها من الناحية الأخرى صغيرة؛ لا تتناسب مع دَخْل مُقَدِّميها. ثم جاءت بعدهم امرأة منضَغِطة في فقرٍ مُدقِع لا يُحتَمَل، والتي كلّ رجاء معيشتها يَكمُن في عطف المُحسِنين، ومِن الفتات كانت تَجمَع بصعوبة ومشقّة مؤونة ضئيلة وتافِهة تكفي بالكاد لقوت اليوم..
 
قدّمَت هذه المرأة فِلسَين، لأنّها لم يكُن في مقدورِها أن تُقَدِّم أكثر من هذا، وإن جاز القول فإنّها جرَّدَت نفسها مِن كلّ ما لديها، وغادرَت الرِواق المقدّس بيدين خاويتين. يا لهذا العمل العجيب والمُدهِش! المرأة التي على الدوام تَطلُب من الآخَرين صدَقَةً، تُقرِض الله جاعِلةً حتّى الفقر في حدّ ذاتِهِ مُثمِرًا لإكرام الله. لذلك فقد فازَت على الآخَرين، وتكلّلَتْ من قِبَل الله بمكافأة عادلة.
 
 رُبّما يُضايق هذا الكلام بعضًا من الأغنياء، ولذلك سنوجِّه لهم ملاحظات قليلة:
  أنت تبتهِج أيّها الغني بوفرة ممتلكاتك، نصيبك خصب أكثر مِمّا تتطلّبه احتياجاتك الضروريّة.
 
أنت تحصد حقولاً ومقاطَعات، ولك حقول كروم كثيرة وواسعة، وبساتين مُحَمَّلة بما لذّ وطاب..
 
  ولك معاصِر وبيادِر ومواشي لا حصر لها،
 
 وبيت جميل مبني بثمن عظيم، وفيه مخازن كثيرة وملابس منسوجة بألوان مختلِفة،
وأخيرًا أنت لا تُقَدِّم بما يتناسَب مع دخلك؛ حتّى أنّك عندما تعطِي فلن تَفقِد قط سوى القليل جدًّا من غِناك الوافر.
 
 أمّا تلك المرأة فقد قدّمَت فِلسَين، وهي لم تكُن تمتلك شيئًا أكثر مِمّا قدَّمَتْه؛ إذ لم يَعُد يتبقّى لديها شيءٌ بعد الفِلسَين، وخرجَت من الخزانة بيدين فارغتين، ولكنّهما يدان سخيّتان، فقد قدّمَت كلّ ما تملكه. ألا يحِقّ لها أن تفوز بالإكليل؟ ألم تكُن تَحِقّ لها الأفضليّة بمقتضَى قرار مقدّس؟ أمَا تفوّقَتْ على سخائك (أيّها الغني)، على الأقل من جهة استعدادها؟
 
إنّ الجموع التي كانت صاعِدة إلى الهيكل، كان البعض منهم يُقدِّم عجولاً مُسَمَّنة، والبعض يقدِّم غنمًا وبخورًا ولُبانًا وأشياء أخرى غيرها، لا غِنى عنها لتقديم الذبائح التي يأمُر بها الناموس بطريقة لائقة. لكن نظرة المُخَلِّص لم تَكُن مُرَكَّزة على هؤلاء، بقدر ما كانت مُثَبَّتة على مَن يُقَدّمون قرابينهم في الخزانة، أي على مَن كانوا مُحسِنين وشفوقين، لأنّه يَقبَل الرائحة الطيّبة للعبادة للعبادة الروحيّة، لكنّه يغضّ نظره عَمّا يُعمَل في رموزٍ وظلال.
 
 المُخلِّص يُكرِم الإحسان للفقير، وإذ يَعرِف هذا أحدُ الرسل، فإنّه يكتب قائلاً: "الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم" (يع1: 27).
 
 نحن نجد أيضًا أنّ الوصيّة التي أعطاها موسى تحثّنا على محبّة الفقير، وتُنهِضنا إلى عمل الإحسان.. "إن كان فيك أحد فقير من إخوتك في أبوابك، في أرضك التي يُعطيك الربّ إلهك، فلا تُحَوِّل قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك المحتاج، بل افتح يدك له بسِعة، وأقرِضه ما يحتاج إليه، وبحسب ما ينقصه" (تث15: 7-8س).
 
من الصواب أن نكون مُحسِنين للإخوة غير بُخَلاء، ليس كمسألة إلزاميّة بل بدافِع من المحبّة أكثر من كونه مراعاةً للوجوه، وبمودّة متبادَلة لا لوم فيها.. لأنّ المحبّة التي نُظهِرها للفقير ليست بِلا ثمر، بل هي دَين يُرَدّ بزيادة!
 
لنَكُن متيقّنين أنّه لو وَزّعنا بيد سخيّة، فإنّنا سننفع أنفسنا، لأنّه هكذا يُعَلِّمنا أيضًا بولس الطوباوي قائلاً: "مَن يزرع بالشُّحّ فبالشُّحِّ أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد. كلّ واحِد كما ينوي بقلبه" (2كو9: 6-7).. لأنّ الذي يُظهِر رحمةً للفقير، لن يُتَخلَّى عنه أبدًا، بل بالحريّ سيُحسَب أهلاً للغفران من المسيح مخلّصنا.
 
 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 138) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]