أكرم ألفي 
"لغتنا العربيةُ يسرٌ لا عسرٌ، ونحن نملكُها كما كان القدماءُ يملكونها، ولنا أن نُضيفَ إليها ما نحتاجُ إليه في العصر الحديث"..هذا الاقتباس من طه حسين في حديثه عن ضرورة تطوير اللغة لتتوافق مع العصر الجديد الذي كان من نحو 100 عام!. 

 في حديث مع أصدقاء بشأن التواصل مع الأجيال وخاصة جيل "ألفا" الصغير الذي لم يتجاوز الـ 14 عاماً من عمره  وكان محور النقاش هو أن اللغة التي يستخدمها "الصغار" مختلفة تماماً عن لغتنا.. وبالطبع انتقل الحوار الكلاسيكي إلى فكرة ازمة اللغة العربية وكيف أن مواقع التواصل الاجتماعي تهددها وكيف أن العولمة وانتشار الإنترنت قادت إلى صعود اللهجات المحلية على حساب العربية الفصحي، وصولاً إلى أن استخدام الاختصارات بين الصغار يدفع إلى أزمة عميقة للغة العربية. 

ملخص الحوار هو أن "اللغة العربية في محنة" بسبب الأجيال الجديدة من "زد" و"ألفا".. وعلينا أن ندفع إلى حملة دفاعاً عن لغتنا الأم في مواجهة هجوم اللغات الأجنبية واللغة المختلطة التي اخترعها الجيل الجديد.

استمتعت جيداً للنقاش وكان مؤقفي الذي لم يتغير هو "نحن كبار اليوم وصغار الأمس في محنة وليست اللغة". من وجهة نظري فإن اللغة أداة للتواصل بين البشر تتطور وتتفاعل عبر جدل مركب مع التطورات الاجتماعية بل أن اللغة لها حيز طبقي واضح فكل طبقة اجتماعية لها لغتها الخاصة ومفرداتها وليس فقط الأجيال وأن اللغة اللاتينية تحولت عبر لهجاتها إلى لغات منفصلة وأن محاولة مقاومة التحولات الاجتماعية وتأثيراتها على اللغة هي "محاربة لطواحين الهواء" لا جدوى لها غير الصراخ وجلد الذات "الجديدة". 

ولكن في المقابل فإنني أري أن أقوى لغة في العالم هي "اللغة العربية"، فهي لغة محصنة بارتباطها بالقرآن الكريم، فوجود نص مرجعي له قدسية وقوة وتأثير واستمرارية القرآن الكريم يجعل دخول اللغة العربية في محنة مجرد وهم لدى النخب التي تسعى بشكل غير واعي لى افتراض وجود كتلة بشرية تتحدث العربية الفصحى كما في المسلسلات التاريخية في عقد الثمانينيات!. 

مع دخولي مرحلة قراءة جديدة لأعمال عباس محمود العقاد، لفت نظري أن لغة العقاد "القوية جدا" قد تكون غير مناسبة للوصول غلى أولادي مما يفقدهم القدرة على قراءة تراث فكري عظيم.. فهل سيفهم أبنائي جملة "لا يحل عقال عقله رسول الله ولا يعقل عقالاً لم يعقله"؟

 أم أننا في حاجة إلى الاستفادة من التجربة الغربية مع مسرحيات شكسبير في إعادة  في نشر مؤلفات العقاد وطه حسين والمنفلوطي وغيرهم بطريقة Parallel Texts أو النص الموازي من خلال كتابة النص الأصلي لهذه المؤلفات وبجواره "ترجمة" أو "تفسيراً" باللغة العربية البسيطة التي يفهها أجيال "زد" و"ألفا". 

أدرك تماماً أن طرح إعادة نشر مؤلفات رئيسية في الثقافة العربية عبر طريقة (النص الموازي) قد تثير هجوماً عنيفاً من أبناء المدرسة المحافظة وقد اتهم بالسعي إلى تهميش اللغة العربية رغم أنني في بيتنا والمحيط أعتبر نفسي من المدافعين عن اللغة العربية في بساطتها وقدرتها على التطور واستنادها إلى نص مقدس يحافظ عليها على خلاف كافة اللغات في العالم. 

فقط ادعو إلى نقاش هادئ فنشر أعمال طه حسين بالنص الموازي سيدفع إلى قراءة النص الأصلي وبالتالي زيادة حصيلة الصغار من اللغة العربية القديمة والقوية ويدفع نحو إعادة تاثير هذه الكتابات في الجيل الجديد وعدم الانفصال عنها. 

في النهاية فإن اللغة العربية ليست في محنة بسبب جيل "ألفا" بل نحن في أزمة لرفض إدراك التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيد صياغة اللغة بين أجيال وطبقات جديدة ونبدو كأعضاء في حركة لتحطيم "الماكينات" التي ظهرت مع الثورة الصناعية قبل 250 عاماً كتعبير عن رفض التحول الاقتصادي الاجتماعي في أوروبا في ذلك الوقت.. يجب أن نكون أكثر ثقة في اللغة العربية فالجيل الجديد لن يحطم "اللغة العربية" بل لو تخلينا عن جمودنا قد ندفع نحو ازدهار القراءة باللغة العربية فقط لتبنى شعار " لغتنا العربيةُ يسرٌ لا عسرٌ".
نقلا عن المصرى اليوم