الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
عندما نتأمّل في مسألة الموت كما يعالجها د. زكريّا إبراهيم في كتبه ضمن سلسلة "مشكلات فلسفيّة" (مكتبة مصر)، ولا سيّما في "مشكلة الإنسان"، و"مشكلة الحياة"، نجد أنه يتناول مشكلة الموت بوصفه خبرةً تمسّ صميم الوجود الإنساني. ففي تناوله للموضوع يركّز على أنّ الموت ليس مشكلةً يمكن الوقوف خارجها لتحليلها، بل سرّ يسكن الإنسانَ نفسه. فالسرّ كما يوضّح زكريّا إبراهيم لا نواجهه من الخارج، لأنّه واقعٌ يلتفّ حول كياننا ومن ثمّ يصعب النظر إليه من مسافة! وهكذا يبدو الموت أفقًا يرافق حياتنا كلّها ويكشف هشاشتنا وحدودنا.

وعندما نتوقّف عند هذا التحليل، نجد أن الموت بوصفه سرًّا وجوديًا  لا يمكن تفكيكه بتفسيرٍ نظري. فالإنسان لا يستطيع أن يقف خارج موته ليفهمه، لأن موته جزء من وجوده نفسه. فيقول زكريّا إبراهيم إن الموت «سرّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجودنا»، ولهذا يظلّ عصيًّا على الاحتواء الفكري. وهكذا يصبح الموت الحدّ الذي يتوقّف عنده العقل، وهذا ليس عجزًا، بل بالأحرى كشفٌ لطبيعة الإنسان وحدوده أو محدوديّته.

ولكن عندما ننظر إلى هذا السرّ في ضوء الإيمان المسيحيّ، نجد أن المسيحية لا تلغي السؤال الوجوديّ، بل تدخل إليه في العمق. فهي تقدّم القيامة  بوصفها سرًّا  الله نفسه دخل فيه دخولًا تاريخيًا في شخص يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا، إذا كان الموت سرًّا لأن الإنسان لا يستطيع الوقوف خارجه، فإن الفصح أو القيامة تقول إن الله لم يبقَ خارجه، بل دخله.

وعندما نتأمّل في سرّ الصليب، نجد أن المسيح يواجه الموت ويختبره من حيث هو أيضًا إنسانٌ كامل. لقد دخل المسيح الموت من داخل الخبرة الإنسانية نفسها. لكن هذا الدخول لا يقف عند حدود الفناء، لأن القيامة تكشف أن هذا العبور لم يكن نهاية، بل بداية تحوّل جوهريّ. فالمسيح الذي دخل الموت هو نفسه الذي قام، وهو قام بصفته إنسانًا. وهكذا لم تكن القيامة حدثًا يخصّ فردًا معزولًا، بل صارت فتحًا لسرّ جديد يخصّ الإنسانية كلّها.

وهكذا، عندما نربط تحليل زكريّا إبراهيم بسرّ الفصح، نجد أن السرّ الذي يطوّق الإنسان لا يُمحى، بل يتغيّر معناه. فالاهوت باتّخاذه إنسانيّتنا، لا يلغي أسذلتها، بل يحوّلها تحويلصا ثوريًّا. فالمسيح، بدخوله الموت كونه إنسانًا وخروجه منه قائمًا، أدخل الإنسانية ذاتها في أفق جديد: لم يعد الموت خاتمةً مغلقة، ولكنه صار موضع عبورٍ نحو حياة. لا تنفي القيامة مأساة الموت،نعم، ولكنها تعلن صراحةً أن الموت لم يعد له الكلمة الأخيرة.

وعندما نجمع بين الرؤية الفلسفية والخبرة الإيمانية، نجد أن الفلسفة تكشف لنا عمق سرّ الموت، بينما الإيمان يعلن أن هذا السرّ قد فُكِّك من الداخل. وهكذا يبقى الموت سرًّا حقيقيًا في الخبرة الإنسانية، لكنه لم يعد سرًّا بلا رجاء، لأن الإنسان، في المسيح القائم، صار مدعوّصا بل شريكًا في حياةٍ تتجاوز حدود الفناء البشريّ. 

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ