د/ عايدة نصيف
أرى أن البطالة تُعد واحدة من أهم القضايا التي تواجه المجتمع في العصر الحديث، لما لها من تأثيرات مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ولارتباطها الوثيق بقضايا الفقر والتنمية والعدالة الاجتماعية. ومع النمو السكاني المتسارع، ودخول مئات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل سنويًا، أجد أن توفير فرص العمل اللائقة أصبح تحديًا حقيقيًا يفرض نفسه على الدولة والمجتمع معًا.

ومن وجهة نظري، لا تعود البطالة في مصر إلى سبب واحد بعينه، بل هي نتاج مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها عدم التوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فما زال التعليم في كثير من مراحله يركز على الجوانب النظرية أكثر من تركيزه على المهارات التطبيقية التي يتطلبها الواقع العملي. كما لا يمكن إغفال تأثير الزيادة السكانية، والتغيرات الاقتصادية العالمية، والتطور التكنولوجي المتسارع، والتي أسهمت مجتمعة في تقليص بعض فرص العمل التقليدية، وخلق فجوة واضحة بين العرض والطلب داخل سوق العمل.

 أن آثار البطالة تنعكس بصورة سلبية على الفرد والمجتمع معًا، إذ تؤدي إلى انخفاض مستوى الدخل، وانتشار مشاعر الإحباط بين الشباب، وقد تدفع البعض إلى الهجرة أو الانخراط في أنشطة غير رسمية تفتقر إلى الأمان الوظيفي والاستقرار. كما أرى أن البطالة تمثل إهدارًا حقيقيًا لطاقات بشرية كان من الممكن توظيفها في دعم الإنتاج وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.

وانطلاقًا من ذلك، أؤمن بضرورة اتخاذ عدد من الخطوات الجادة للحد من البطالة، في مقدمتها دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين مناخ الاستثمار بما يسهم في جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، إلى جانب تطوير منظومة التعليم الفني والتدريب المهني، بهدف إعداد كوادر بشرية قادرة على تلبية متطلبات سوق العمل الحديث. ورغم هذه التحديات، تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تحسن نسبي في معدلات البطالة خلال السنوات الأخيرة، وإن ظل التحدي قائمًا، خاصة بين فئتي الشباب والنساء.

وفي النهاية، أرى أن معالجة البطالة هي مسؤولية مشتركة تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر فقط على توفير فرص العمل، بل تمتد إلى بناء إنسان مؤهل، واعٍ، وقادر على التكيف مع متغيرات العصر. فربط التعليم بسوق العمل، وتشجيع ريادة الأعمال والعمل الحر، وتعزيز ثقافة الإنتاج، تمثل في تقديري أدوات أساسية لتحويل البطالة من أزمة خانقة إلى فرصة حقيقية لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة، تعزز من استقرار المجتمع وتفتح آفاقًا أوسع لمستقبل أفضل.
نقلا عن فيتو