ديڤيد ويصا
وانا طفل ولحد ما دخلت الجامعة ..
مكنش فيه قنوات نايل سات ولا أوروبي ولا IPTV ..
كانت القنوات محدودة جدًّا ومعروف هييجي إيه إمتى ..
ولو فاتت حلقة مسلسل أو كارتون، يبقى خلاص راحت منّي!
مكنش فيه موبايل ومكنش عندنا خط أرضي لمدة طويلة ..
فكنت ممكن اروح مشوار طويل بمواصلات ..
وبعد ما اوصل الاقي اللي رايحله مش موجود!
لو حد كان متفق معانا يجيلنا واتأخّر ..
مكنش ممكن نعرف اتأخّر ليه ولا ناوي ييجي ولا لأ ..
وكُنّا لازم نفضل منتظرين لحد ما نعرف اللي هيحصَل!
المشاوير الحكوميّة كانت أسوأ بكتير من دلوقتي ..
مفيش غير ورق وطوابير وزحمة وبنعرف المطلوب لما نروح ..
مفيش خدمات رقميّة ولا إنترنت نعرف منها تفاصيل ولا مواعيد!
كل ده عيِّشني في نعمة مكُنتش واخد بالي منها ..
إسمها نعمة "الملل"، اللي علِّمِتني فضيلة الانتظار والصّبر!
النهرده كل حاجة متاحة زي ما انا عاوز وفي الوقت اللي عاوزه ..
مفيش انتظار مواصلات وتاكسي، لكن فيه أوبر على مزاجي ..
مفيش انتظار مسلسل ولا فيلم، لكن فيه يوتيوب في أي وقت ..
مفيش مشاوير فيها مفاجآت، لكن فيه موبايل نرتّب بيه كل حاجة!
المشكلة ان الجيل ده متعلّمش يعني إيه ملل ..
وبالتالي مبقاش عنده أي استعداد يقعد فاضي وهادي لدقايق ..
لازم يمسك شاشة تشغله وتلهيه عن الملل، عشان يفضل عايش ..
المُخّ اتعوّد على جرعة مُعيّنة من الإلهاء المؤقّت وبطريقة مُعيّنة ..
مفيش قدرة على التركيز أو الإصغاء أو التعبير عن اللي بيدور جّواه ..
مفيش أي استعداد للمفاجآت أو الصّبر أو الانتظار أو الصعوبات!
وده معناه إنه جيل بيعاني من الملل، بس هو بيخدع نفسه ..
لأنه بيهرب من ده بإنه بيلهي نفسه عن الملل بمُخدّرات إلكترونيّة!
الكارثة هنا هي تأثير ده على العلاقة مع الله ..
الله مش بيشتغل بسرعة ولا بسطحيّة ..
الله عاوز منّنا صبر وانتظار ..
لأنه بيشتغل على شخصيّاتنا مش سعادتنا!
الله عاوزنا نتعلّم الملل ..
لأنه وسيلة من وسائل اختبار ثقتنا فيه وفي حكمته!
إن كان ليّ اني اعلّم ولادي أو أي شباب بخدمهم حاجة ..
هدرّبهم على فترات يشعروا فيها بالملل والضبابيّة ..
هدخّلهم في حاجات يفقدوا فيها السّيطرة ومعرفة اللي جاي ..
زي الدكتور اللي بيدرّب المدمن على فترات بُعد عن المُخدّر ..
مهما كان عذاب المُدمن وألمه في الوقت ده، لكنه لخيره ومصلحته!
الرب يدينا نعمة نقدر نعمل كده مع ولادنا واللي بنخدمهم ..
لأن الوضع الحالي خطر، خطر شديد ..
متمنّاش أبدًا فيه ان الله يعلّمنا بالطريقة الصعبة لما يرمينا في البحر ..
لكنه أحيانًا هيكون مُضطر لده لو منتبهناش ودرّبنا نفسنا بطريقة سهلة!





