سامي سمعان
توفي صباح الأحد، الدكتور مفيد شهاب، وزير التعليم العالي الأسبق ووزير الشئون القانونية والمجالس النيابية الأسبق، عن عمر ناهز 90 عامًا، بعد رحلة ممتدة من العطاء في ميادين القانون الدولي، والدبلوماسية، والعمل الأكاديمي، وملفات السيادة الوطنية.

ونعت وزارة الخارجية المصرية الفقيد في بيان رسمي، مؤكدة أنه كان «أحد أبرز الفقهاء القانونيين في مصر، وعلمًا من أعلام القانون»، مشيرة إلى دوره الوطني البارز في الدفاع عن مصالح الدولة المصرية وصون سيادتها في مختلف المحافل الدولية، وعلى رأسها ملف استرداد طابا.

بطل معركة طابا.. عندما انتصر القانون للسيادة المصرية
برز اسم الدكتور مفيد شهاب كأحد أعمدة الفريق القانوني المصري في معركة استرداد طابا، القضية التي شكلت علامة فارقة في تاريخ الدبلوماسية المصرية بعد توقيع اتفاقية السلام.

وفي شهادته عن تلك اللحظات التاريخية، استعاد شهاب أجواء جلسة النطق بالحكم، مؤكدًا أن الشعور الحقيقي بالارتياح لم يكتمل إلا بسماع القاضي يتلو القرار النهائي.

وأعلنت هيئة التحكيم وجود 14 علامة حدودية محل خلاف بين مصر وإسرائيل، معظمها في الشمال بفروق طفيفة، بينما تركز النزاع الحقيقي على أربع علامات في منطقة رأس النقب، إضافة إلى العلامة 91 الخاصة بطابا. وجاء الحكم حاسمًا لصالح مصر، مؤكدًا مصرية رأس النقب بمساحة 5.5 كيلومترات مربعة، وكذلك طابا.

ورغم الحكم، لجأت إسرائيل إلى المماطلة لمدة ستة أشهر، بدعوى وجود غموض في القرار، وهو ما رفضته هيئة التحكيم. وبعد مفاوضات شاقة، تم الاتفاق على دفع 32 مليون دولار مقابل منشآت أُقيمت قبل التحكيم، ورفض التعويض عن المنشآت اللاحقة. وفي 19 مارس، رُفع العلم المصري في طابا في مشهد وطني خالد.

من الليسيه إلى السوربون.. مسيرة علمية عالمية
وُلد الدكتور مفيد شهاب في يناير 1936 بمحافظة الإسكندرية، وتلقى تعليمه في مدرسة الليسيه الفرنسية، قبل أن يحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية بتقدير امتياز.

واصل دراساته العليا في إيطاليا وفرنسا، ونال دكتوراه الدولة في القانون الدولي من جامعة باريس «السوربون»، ليبدأ بعدها رحلة أكاديمية متميزة في جامعة القاهرة، تدرج خلالها حتى أصبح رئيسًا لقسم القانون الدولي، ثم رئيسًا للجامعة بين عامي 1993 و1997.

وزير التعليم العالي وصانع السياسات التشريعية
تولى شهاب عدة مناصب وزارية بارزة، حيث شغل منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي (1997–2004)، وأسهم في تطوير منظومة التعليم الجامعي والبحث العلمي في مصر، ثم تولى وزارة شؤون مجلس الشورى (2004–2005)، ووزارة الشئون القانونية والمجالس النيابية (2005–2011)، حيث لعب دورًا مهمًا في صياغة التشريعات وإدارة العلاقة بين الحكومة والبرلمان.

كما شغل منصب المستشار القانوني للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية (1978–1984)، وكان قاضيًا بالمحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي منذ عام 1988، ومديرًا لمعهد قانون الأعمال الدولي بجامعة القاهرة.

فقيه القانون الدولي.. أبحاث في الأمم المتحدة وحقوق الإنسان
ترك الدكتور مفيد شهاب إرثًا فكريًا مهمًا في القانون الدولي، من خلال دراسات تناولت قضايا الأمم المتحدة وتفسير ميثاقها، ومحكمة العدل الدولية، والمبادئ العامة للقانون كمصدر من مصادر القانون الدولي.

كما حلل دور المنظمة الدولية في أزمات الشرق الأوسط بعد حرب أكتوبر 1973، وناقش مفهوم الانسحاب في قرار مجلس الأمن رقم 242، إلى جانب أبحاثه حول التحكيم الدولي والمفاوضات الدولية باعتبارهما علمًا وفنًا.

وتميّزت أعماله بتركيز واضح على قضايا حقوق الإنسان، متناولًا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والميثاقين الأفريقي والعربي، ودور الجامعات العربية في نشر ثقافة الحقوق. كما عالج قضايا التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، والقضية الفلسطينية، والجوانب القانونية لقضيتي القدس ولوكيربي، ودراسات حول جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي والعلاقات العربية الأوروبية.

بعد ثورة يناير.. تحقيق وإخلاء سبيل
عقب ثورة يناير 2011، خضع الدكتور مفيد شهاب للتحقيق أمام جهاز الكسب غير المشروع، قبل أن يُخلى سبيله بعد ثبوت أن ممتلكاته من مصادر مشروعة، لينتهي الملف قانونيًا دون إدانة.

إرث لا يُنسى
برحيل الدكتور مفيد شهاب، تفقد مصر أحد أبرز فقهائها القانونيين، ورجل دولة لعب دورًا محوريًا في معركة استرداد طابا، وأسهم في تطوير التعليم العالي، وترك بصمة واضحة في مجالي القانون الدولي والدبلوماسية.

إنه اسم سيظل حاضرًا في ذاكرة الوطن، بوصفه نموذجًا للعالم القانوني الذي جمع بين الأكاديمية والعمل الوطني، وبين الفكر والممارسة، وبين الدفاع عن القانون وصون السيادة.