القمص يوحنا نصيف
وبنهاية العالم والمجيء الثاني
 يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على حديث المسيح عن خراب الهيكل ونهاية العالم ومجيئه الثاني، كما هو مذكور في (لو21: 5-13)، بتفصيل وشرح طويل، أقتطف منه في هذا المقال بعض الفقرات، إذ يقول:
 
 لقد تسلّمنا من المسيح معرفة الأمور التي كانت مُزمِعة أن تَحدُث، لأنّه هو نفسه الذي يُنير خفايا الظلام ويَعرِف الخفايا (1كو4: 5)، والمُذَّخَر فيه جميع كنوز الحكمة وخفايا المعرفة (كو2: 3)، وهو يُغَيِّر الأوقات والأزمنة، ويُعِيد تشكيل الخليقة إلى ما كانت عليه في البداية.
 
 البعض.. أروه الأعمال العظيمة التي كانت في الهيكل.. منتظرين منه أنّه سَيُبدي إعجابه بالمشهد مثلهم، مع أنّه هو الله، والسماء هي عرشه.
 
لكنّه لم يُعطِ أيّ اهتمام بهذه المباني الأرضيّة، إذ هي أشياء تافِهة، بل هي لا شيء على الإطلاق، بالمقارنة بالمنازل التي هي فوق.
 
 وإذ استبَعَدَ الحديث عنها (المباني الأرضيّة)، فقد تحوَّل بالأحرَى إلى ما هو ضروري لمنفعتهم. لأنّه سَبَقَ فحذّرَهُم أنّه مهما كان الهيكل يستحقّ أن ينال كلَّ إعجابٍ منهم، إلاّ أنّه حينما يَحِينُ وقته، فإنّه سيُدَمَّر من أساساته، إذ يُهدَم أرضًا بقوّة الرومان، وتُحرَق كلّ أورشليم بالنار، وتُجازَى بعدلٍ لأجل قتلها الربّ، لأنّه بعد صلب المخلِّص كانت هذه الأمور هي نصيبهم الذي كابدوه.
 
لكنّهم لم يفهموا معنى ما قيل، بل بالحريّ ظنّوا أنّ الكلمات التي قالها تُشير إلى انقضاء العالم، لذلك سألوه: "متى يكون هذا؟ وما هي العلامة عندما يصير هذا؟" فماذا كان جواب المسيح إذن؟ إنّه استجاب لرأي الذين سألوه، وإذ يُغفِل مؤقّتًا ما كان يقوله عن حِصار إورشليم، فإنّه يشرح ما سيحدث عند انقضاء العالم، فيُحَذِّرهم ويَشَهد قائلا:
 
"انظروا لا تضلّوا؛ فإنّ كثيرين سيأتون باسمي قائلين إنّي أنا هو والزمان قد قَرُبَ، فلا تذهبوا وراءهم". لأنّه قبل مجيء المسيح مخلّصنا من السماء، سيَظهَر مُسَحاء كذَبة وأنبياء كذَبَة.. وسوف يأتون إلى العالم كمثل زوابع دُخّان منبَعِثة من نار على وَشَك الاشتعال..
 
 إن كلمة الله الابن الوحيد، ارتضى أن يأخُذ لنفسه شَبَهنا، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة لكيما يُخَلِّص كلّ مَن هُم تحت السماء. وكان هذا بالنسبة له إخلاء لذاتِهِ واتّضاعًا.. وفَضّل أن يبقى غير معروف، حتّى أنّه أوصى رسله الأطهار قبل صليبه الثمين أنّ لا يُظهِروه (مت17: 9).. حتّى إذا احتمل الصليب الثمين لأجلنا كإنسان، فإنّه يُلاشي الموت ويَطرُد عنّا جميعًا طُغيان الشيطان، لأنّه كما يقول بولس: "لأنّهم لو عرفوا لَمَا صلبوا ربّ المجد" (1كو2: .
 
لذلك كان يلزَم أن يَظَلّ غير معروف خلال الفترة التي سبَقَت آلامه. أمّا مجيئه الثاني من السماء فلن يَحدُث بطريقة خفيّة كما حدَثَ مجيئه الأوّل، بل سيكون مُبهِرًا ومُرعِبًا، لأنّه سينزل بمجد الله الآب ومعه الملائكة القدّيسون محيطين به، ليدين العالم بالعدل. ولأجل هذا يقول: عندما يقوم مُسَحاء كذَبة وأنبياء كَذَبَة فلا تذهبوا وراءهم
 
  وقد أعطاهُم علامات واضِحة وجلِيّة عن الزمان الذي فيه يقترب انقضاء العالم، فيقول: "لأنّه ستكون حروب وقلاقِل ومجاعات وأوبئة في كلّ مكان، وتكون مخاوِف وعلامات عظيمة من السماء"، وكما يقول إنجيليٌّ آخَر: "لأنّ كلّ النجوم تسقُط، وقوّات السموات تتزعزع" (مت24: 29).
 
 لكنّ المُخَلِّص يضع في وسط الكلام ما يُشير إلى سبي أورشليم، لأنّه يخلِط الأحداث ببعضها في كلٍّ من جُزئَيّ الرواية.. لأنّه قبل أزمنة الانقضاء سُبِيَتْ أرض اليهود واجتاحتها حشود الجيوش الرومانيّة، وأُحرِقَ الهيكل.. وقبل أن تحدُث هذه الأمور قام اليهود باضطهاد التلاميذ المباركين.. وأيضًا لكيما يجعل (المسيح) تنبُؤَه أكثر وضوحًا وتأكيدًا، ويجعل زمن سبي أورشليم أكثر جلاءً، فإنّه يقول لهم: "ومَتَى رأيتم أورشليم مُحاطة بجيوش، فحينئذ اعلموا أنّه قد اقترب خرابها".
 
بعد ذلك يَنقِل كلامه من هذا الموضوع إلى وقت انقضاء العالم: "وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم.. والناسيُغشَى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة".
 
 ثمّ يقول: وحينئذ يُبصِرون ابن الإنسان آتيًا في سحابةٍ، بقوّةٍ ومجدٍ كثير. لذلك فالمسيح لن يأتي في الخفاء أو في غموض، بل كإله وربّ بمجد يليق بألوهيّته، وسيُحَوِّل كلّ الأشياء نحو الأفضل، لأنّه سيُجَدِّد الخليقة، ويُعِيد تشكيل طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه في البداءة. ثمّ يقول: "ومَتَى ابتدأت هذه تكون فانتصِبوا وارفعوا رؤوسَكم، لأنّ نجاتكم تقترب". لأنّ الموتى سيقومون، وهذا الجسد الأرضي والعاجز سيَخلَع عنه الفساد، وسيلبس عدم الفساد بعطيّة المسيح؛ الذي يَمنح الذين يؤمنون به أن يتشكّلوا على مثال جسده المجيد.
 
لذلك، فكما قال تلميذه (بطرس): "سيأتي كلِصٍ في الليل يوم الربّ، الذي فيه تزول السموات بضجيج، وتنحلّ العناصِر محترقةً، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها"، ثُمّ يُضيف قوله: "فبما أنّ هذه كلّها تنحلّ، أيّ أناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدّسة وتقوَى؟" (2بط3: 10-11).
    + والمسيح نفسه يقول أيضًا: "اسهروا إذن وتضرّعوا في كلّ حين، لكي تُحسَبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المُزمِع أن يكون، وتقفوا قُدّام ابن الإنسان" (لو21: 36). "لأنّنا جميعً سوف نقف أمام كرسي المسيح، لنُعطِي حسابًا عن كلّ ما صنعناه" (رو14: 10).
 
ولأنّ المسيح صالح ومحبّ للبشر، فإنّه سيُظهِر رحمةً لأولئك الذين يُحِبّونه.
 
 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 139) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]