(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
إذا تساءلنا بحزنٍ وآسف عميقين: هل نحن قد وصلنا إلى "نهاية العَالَم والأزمنة"؟، فلعلّ الردّ هو لا، ليس بَعدُ؛ إنّه نوعٌ من "نهاية الإنسانيّة" فقط! فبعد إعلان الفيلسوف الألمانيّ "نيتشه" الذي فحواه "موت الإله"، ذلك الشّعار الذى نادى به الذين بحثوا عن ظهور "السّوبرمان"، و"إرادة القوّة"، و"الإنسانويّة"، و"الحرّيّة الوجوديّة"، وكذلك من سعوا للبلوغ إلى "الفردوس الأرضيّ"، و"موطن الهويّة"، و"التّسامي بدون تسامي"، تجد البشريّةُ ذاتها الآن أمام "موت الإنسان" بكلّ معنى الكلمة، أيّ حرفيًّا ومعنويًّا وأخلاقيًّا.

أجل، فبعد "موت الله" الأيديولوجيّ، وعدم الإيمان به، لم يتحقّق زعمُ "الإنسان الأصيل والحرّ"، الذى يؤمن بذاته، وبما هو طبيعيّ وعاقل؛ وإنّما نحن نشهد –مع الأسف الشّديد– موت الإنسان بإنسانيّته، وظهور بشريّة غير-طبيعيّة، وغير-إنسانيّة، وانتشار –على نحوٍ واسع– للإنسان اللاعاقل، واللاأخلاقيّ، والقبيح، والمدمّر لذاته، وللآخرين، والطّبيعة، والأخلاق، والجمال، والخير، والحضارة، والثّقافة.

لقد كذبوا على الإنسان المعاصر حينما قالوا له، وهو بدوره قد صدّقهم: إنّ الله قد مات ونحن قد دفناه! فشَاعَ في حقبتنا بشرٌ كذّابون، غير-عاقلين، وبلا أخلاقٍ، وعبيد لذواتهم ولغيرهم، وقِباح. ومع ذلك، وجب عليَّ التّنويه أنّني لا أصف هنا الأفراد والأشخاص الفردين، ولا أنادي بأنّ الملحدين بلا عقل، وبلا ضمير، وبلا أخلاق؛ وإنّما أصف حال البشريّة كجماعةٍ بجملتها، مستعملًا هذه الصّياغة، لإبلاغ وبلوغ المعنى والمخزى. كما إنّه ليس بالضّرورة أنّ جميع المتديّنين –أيًّا كانت ديانتهم– هم فوق الشّبهات، ولديهم عقل وضمير وأخلاق؛ فكم مِن مذابح وجرائم وشرور تمّت ولا تزال تتمّ باسم الله والأديان!

والآن، كيف السّبيل إلى عَالَمٍ أفضل، وواقعٍ أفضل، ومجتمعٍ أفضل، وبَشَرٍ أفضل، وأزمنة أفضل؟ إنّني مقتنعٌ القناعةَ كلَّها أنّه لا سبيل لتحسين أوضاعنا الحالية إلّا بالعودة إلى التّعقُّل، والعقلانيّة، والإنسانيّة، والضّمير، والأخلاق، والمسؤوليّة، والأخوة الشّاملة، والسّلام المجرَّد والمجرِّد من السّلاح، والحقّ، والجمال، والخير، والتّسامي الذي يليق بنا كبشرٍ مخلوقين على "صورة الله وكمثاله". إنّ ما يبعث على التّفاؤُل حقًّا هو أنّه ثمّة أشخاصٌ وحكومات ودول، في أرجاء المعمورة كلّها، راحت تستيقظ من غفلتها، ومن نوم ضميرها، وترفع صوتها وتصويتها، لوقفِ هذه المهازِل والجرائم، وهذا التّدمير للبشر والحجر. أجل، وإن نامت وماتت الإنسانيّةُ فينا، وفاحت رائحةُ العفن منها، إنّنا نؤمن الإيمان الثّابت غير المتزعزع أنّه ثمّة مَن هو قادرٌ على إيقاظ ضمائرنا –كأشخاص وشعوب، وهو القادر أن يقيم الأموات ويحيي العظام أيضًا.