ق / اسطقانوس زكى
في الرابع عشر من فبراير عام ٢٦٩م وقف كاهنٌ ايطالى يُدعى فالنتاين أمام قرارٍ إمبراطوري أصدره الإمبراطور الروماني كلوديوس الثاني يمنع زواج الجنود؛ لأنه كان يرى أن الزواج يُضعف المقاتل، وأن الأعزب أصلب عودًا وأشد قوة في ساحات الحروب.
أما فالنتاين، فكان يرى الزواج عهدًا مقدسًا، ورباطًا روحيًا يقوم على المحبة والوفاء، لا مجرد عقدٍ اجتماعي عابر. لذلك قرر أن يزوّج الشباب سرًا، مؤمنًا أن العلاقة الزوجية ليست عاطفة وقتية، بل كيانًا إنسانيًا يحفظ المجتمع ويُكرّم الإنسان.
وبعد مدة اكتُشف أمره، فسُجن ثم أُعدم في الرابع عشر من فبراير. وتحول يوم موته إلى ذكرى رمزية، وصارت قصته عنوانًا للحب الباذل المُضحي، الذي يدفع ثمنًا ولا يتراجع.
وبعد قرون طويلة، وفي مصرنا الغالية، كتب الصحفي الكبير مصطفى أمين في سبعينيات القرن الماضي، في عموده اليومي «فكرة» بجريدة الأخبار، عن رجلٍ مسنّ مات وحيدًا، ولم يجد من يمشي في جنازته. لم يكن هناك قانون يمنع الناس من الحضور، لكن كانت هناك مشكلة أخطر: برود المشاعر وصمت القلوب؛ قلوبٌ تُحب دون أن تُعبّر.
هنا أدرك مصطفى أمين أن أزمتنا ليست في غياب المشاعر، بل في غياب التعبير عنها. فدعا إلى تخصيص الرابع من نوفمبر عيدًا للحب في مصر، لا للحب الرومانسي وحده، بل للحب الإنساني الأوسع:
حب الأسرة، حب الأصدقاء، حب كبار السن، حب الوطن، حب الحياة، حب الآخر أيًا كان.
فالضغوط اليومية، والتحولات الاجتماعية، جعلت القلوب أحيانًا مشغولة أكثر مما ينبغي، فجاءت دعوته لتوقظ المشاعر النائمة، وتعيد للكلمة الطيبة مكانتها، وللمودة دفئها.
قد نظن أن الحكاية بدأت بفالنتاين، أو توقفت عند مصطفى أمين… لكن الحقيقة الأعمق أن أصل القصة أقدم من الجميع…
إنها في الله نفسه.
يقول الكتاب المقدس:
«الله محبة» (١يوحنا ٤: ٨). وهذه ليست عبارة شعرية، ولا توصيفًا عاطفيًا، بل إعلان عن طبيعة الله ذاتها. فلم يقل النص إن الله يمارس المحبة أحيانًا، بل إن المحبة هي كيانه وطبيعته....أي أن أصل الوجود ليس الصراع، ولا الهيمنة، ولا التسلط، ولا البقاء للأقوى؛ بل العطاء والبذل والتضحية.
الله خلق الإنسان بدافع المحبة، لأنه أحبه. ويعتني به بدافع المحبة، ولا يزال يحبه رغم كل ضعفه وسقطاته؛ فهو يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، ويمطر على الصالحين والطالحين، ولا يزال يبحث عنه إن ابتعد، بدافع محبته له.
ومن هنا فإن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بما يُنجز، ولا بما يُنتج، بل بكونه محبوبًا من الله.
وفي الإيمان المسيحي بلغت هذه المحبة ذروتها حين اقترب الله من الإنسان، وشاركه ضعفه وألمه، ليعلن أن المحبة ليست فكرة في السماء، بل حضورًا حيًا على الأرض؛ إذ تنازل وأخذ صورة الإنسان الذي أحبه، لكي يخلّصه من الخطية، ويعيد إليه صورته الأولى.
وإذا كان الله محبة، فالإنسان المخلوق على صورته لا تستقيم حياته بدون المحبة. فحين تغيب المحبة تتفكك الأسرة، وينقسم المجتمع، ويسود العنف، وتتحول العلاقات إلى مصالح.
لكن حين تسود المحبة تُبنى الجسور، وتنمو الثقة، ويسود التسامح، وتشرق الإنسانية.
المحبة ليست رفاهية عاطفية، بل ضرورة وجودية.
هي القانون الداخلي الذي يحفظ المجتمع من الانهيار.
وإذا أردنا أن ننمّي روح المحبة، فالأمر لا يحتاج إلى احتفالٍ سنوي فحسب، بل إلى ممارسة يومية صادقة:
املأ وجهك ابتسامةً صافية.
تدرّب على القول الحسن الصادق، فالكلمة الطيبة دواء.
درّب نفسك على الشكر والامتنان لله على صنيعه معك، ولمن صنع معك معروفًا.
عبّر عن حبك للآخر صراحةً؛ لا تفترض أن الآخر يعلم.
احتضن زوجتك وأبناءك بدفءٍ حقيقي، قبل أن يبحثوا عنه بعيدًا.
أكرم والديك، وتذكّر تعبهم معك.
لا تؤجّل كلمة حب أو تقدير أو تشجيع؛ فالحب المؤجَّل وجع.
تعلّم أن تغفر سريعًا، ولا تجعل الغضب يستقر في قلبك طويلًا.
خصّص وقتًا حقيقيًا لمن تحب.
امدح علنًا، وانصح سرًا.
بادر أنت بالحب والتسامح والتقدير؛ فالحب شجاعة لا خوف، قوة لا ضعف.
صلِّ دائمًا أن يملأ الله قلبك بمحبته الحقيقية.
الله محبة.
وكلما اقترب الإنسان من مصدر الحب، تعلّم كيف يحب.
المحبة الإلهية تحب بلا شرط، بلا مقابل، بلا حسابات. وحين يسكن هذا الحب في القلب، يصير القلب أوسع، والبيت أدفأ، والوطن أكثر نورًا.
الحب ليس مجرد ذكرى للاحتفال كل عام
ولا وردةً تذبل بانتهاء اليوم،
ولا كلمةً تُقال ثم تُنسى.
الحب هو أن يعود القلب إلى أصله…
إلى الله.
هو أن نكتشف أن الحياة لا تُقاس بطول السنين،
بل بعمق المحبة التي سكنت فينا وخرجت منا.
أنا أُحب… إذن أنا أعيش.
أنا أُحب… إذن أنا امتلك احساس ومشاعر
انا احب...لذن انا موجود
فلتبدأ محبّتنا من السماء،
ولتسِر في الأرض،
ولتلمس كل قلبٍ عطشان.
هناك…
حيث يبدأ الحب بالله،
ويكتمل في الإنسان.
أحبكم جميعًا.
كل حب وحضراتكم جميعا تعيشون وتختبرون الحب
....ق / اسطقانوس زكى....





