د. محمد طه
فيه مصطلح معروف فى التحليل النفسي اسمه الPhallic Hero (هاترجمه بطل الفحولة/البطل الفحل للتبسيط).. المصطلح ده بيوصف نموذج معين للرجولة.. مصدر جاذبية الرجل فيه هو: القوة.. السيطرة.. الجرأة.. والسيادة.. 
 
فى بعض المجتمعات.. النموذج ده بيكون هو نموذج الرجل (البطل)..
 
الحكاية دى ظهرت -وبشكل واضح لدرجة الصفاقة- مؤخراً فى اللي حصل في البرنامج التلفزيوني (اللى اتوقف تانى يوم)، لما المذيعة طلبت من شخص قال لسيدة فى مواصلة عامة (فى فيديو مسجل صوت وصورة): "إيه لبسك اللى انتى لابساه ده"!!، المذيعة طلبت منه إنه يقف نفس الوقفة اللي وقفها في الأتوبيس، ويبص نفس النظرة اللى ووصفتها -بملامح وجه ونبرة صوت شتوية - بإنها “الوقفة الصائبة”..
 
بالنسبة لى، دى ماكانتش مجرد سقطة إعلامية ولا لقطة للتريند.. لكنها كانت لحظة كاشفة نفسياً جداً.. لأن الرسالة الضمنية اللى عبر عنها المشهد ده هى نفس الرسالة الضمنية اللى كان بيعبر عنها عدد كبير من معجبى ومشجعى نفس الشخص الأسبوع الماضى، وهما بيدافعوا عنه باستماتة، وبيبرروا له، وبيحتفلوا بثقته وجرأته، وبعضهم بيوصفه بأنه (أسد)..
 
اللى حصل فى السياق ده ماكنش حوار تليفزيوني.. لكنه كان مشهد (إعادة تمثيل للقوة).. والرسالة اللى كانت واصلة فيه بإصرار وتكرار كانت: "بصوا… الراجل ده واثق… مسيطر… مُهيمن".. عنده ثبات انفعالى (نفس تعبير المذيعة.. ونفس تعبير كل من شجع ودافع باستماتة قبلها)..
 
بيسموا النموذج ده من الرجولة أحياناً ب(البطل المستعرض).. رجل بيستعرض ذكورته وهيمنته.. بأشكال وطرق مختلفة.. وهو هنا مش بيتحب لأنه (على حق) لا سمح الله.. لكن لأنه (قادر).. والكلمة دى ليها مستويات أعمق فى الفهم.. ومن هنا جه اسم الPhallic Hero.
ليه بقى النموذج ده بيشد ناس كتير؟ وأصبح ليه مريدين وجماهير يلتفوا حواليه بلا حصر..
 
علشان ببساطة، فيه حالياً ارتباك شديد فى في معنى الرجولة.. فيه إحساس متنامي عند الرجالة بفقدان المكانة، بتغيير قواعد اللعبة.. الستات بتقول لأ.. صوتها بقى عالى.. مش بتتنازل عن حقها.. وعيها عمال يزيد.. والرجالة ما زالوا متقوقعين فى كهوف صغيرة.. مش عاوزين يشوفوا أو يسمعوا أى شئ خارج جدرانها الضيقة..
 
وفى الأوقات اللى زى دى.. بيظهر احتياج لنموذج ذكورى يقول ضمنيًا: أنا عارف.. أنا قادر.. أنا مسيطر.. والمشجعين والمريدين ساعتها مش بتنجذب للشخص نفسه، بقدر ما بتنجذب للإحساس وللمعنى اللي بيمثله..
 
ده نفس السبب اللي بيخلي بعض الناس تنبهر بشخصيات صدامية، ويوصفوها بأوصاف غريبة زى (الحراق)، و(الجلاد)، و(الجامد).. لاحظ نوعية وايحاءات الألفاظ.. فيه غيرها ماينفعش يتكتب..
 
الجاذبية هنا مش في كلمة أو موقف او فكرة.. الجاذبية في النبرة العدوانية الواثقة.. والحضور الاستعراضي، والسيطرة الرجولية (على السطح).. الذكورية (فى العمق)..
 
النبرة العدوانية بتتفسر على إنها قوة.. والثقة المطلقة بتتفهم على إنها يقين.. والحدة والاستفزازية بتستقبل على إنها رجولة..
 
ومن المثير للاهتمام ان نفس النموذج النفسي ده بيتغذى أحيانا -وبشكل يبدو كوميدي- من فيديوهات بتتكلم عن الراجل باعتباره (الفرعون الصغير الكبير).. اللى لمسة ايده تعالج الشعر الهايش، واللى يحط صباعه فى كوباية الماية فيخفف الصداع، ويلمس وش صينية الكنافة فماتحتاجش شربات!! 
 
وفيديوهات تانية (بتعملها ستات للأسف) بتتكلم عن الرجل بشكل عام والزوج بشكل خاص بصيغة (فيها ايه لما يمد ايده عليكي)، (الراجل يحب الست اللى تقوله حاضر ونعم)، (المفروض الست تبوس رجل جوزها).. آه والله.. والحقيقة ان ده شئ مختزل ومسئ للرجولة مش مُعزز ولا محترم لها على الإطلاق.
وكل ده مش مرتبط بطبقة اجتماعية معينة.. مش مرتبط ب“قاع المجتمع” زي ما بعض الناس متصورة.. الظاهرة دي ممكن تحصل في أي طبقة.. لأنها في الأساس ظاهرة نفسية (بدائية)..
 
علشان كده بنشوف دفاع عن متحرش (عنده ثبات انفعالى).. أو بشخص صدامي (بيجلد).. أو بشخص يقول لبنت فى المترو -للمرة التانية- "نزلى رجل من على رجل"..
 
لأنهم كلهم بيمثلوا نفس الرمز: البطل المستعرض..
 
وفى نفس الوقت.. الجميع يغفل ويتجاهل وينكر حقيقة واحدة بسيطة جداً:
 
القوة اللي محتاجة استعراض.. هى محاولة يائسة لإخفاء هشاشة شديدة..
 
والرجولة اللي بتحاول تثبت نفسها بالعنف والضجيج.. هى محاولة بائسة للبحث عن نفسها .. مش إعلان حضور حقيقي..