د.ماجد عزت إسرائيل

 
يمرّ كل إنسان في حياته بأوقات أو لحظات أو فترات من الضيق والألم، يشعر فيها بالضعف أو الحيرة أو الخوف، وأحيانًا يعيد التفكير في بعض المواقف أو في الأشخاص الذين يتعامل معهم، أو يحاسب نفسه كما ورد في الكتاب: «أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ» (لو 16: 2).
 
وللضيق أسباب عديدة؛ فقد يكون بسبب مرض، أو فقدان عزيز، أو فشل في أمر ما، أو ظلم من الآخرين، أو ضغوط نفسية لا يراها أحد. وهو ليس علامة على غياب الله، بل كثيرًا ما يكون مجالًا لاختبار حضوره القريب ومحبته العميقة، بمعنى أدق: مناداة الله وطلب معونته وسنده، كما ورد في المزمور: «وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي» (مز 50: 15).
 
  والكتاب المقدس يوضح لنا أن الضيق جزء من الحياة البشرية، حتى في حياة المؤمنين. يقول داود النبي: «كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ» (مز 34: 19). فالضيق لا يعني أن الإنسان مرفوض، بل قد يكون مجالًا يعمل فيه الله مع الإنسان وفي داخله. وفي وقت الضيق لا يترك الله الإنسان وحده، بل يكون له ملجأً وقوة. يقول الكتاب: «اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ، عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا» (مز 46: 1).
 
هذا الوعد يمنح الإنسان طمأنينة بأن الله حاضر معه، يسمع صراخه، ويسنده، ويقوّي القلوب المجروحة والمنكسرة. كما أن بعض التجارب لا تقف عند حدود الألم فقط، بل قد تحمل ثمرًا روحيًا في داخل الإنسان. فكلما ضغطت التجارب على الإنسان، قد يشعر بتفاهة ما هو زائل، ويشتاق إلى ما هو أعمق وأثبت. وفي هذا المعنى يقول المرنم: «خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ. » (مز 119: 71). فحين يقبل الإنسان الضيق بروح التوبة والتواضع، تتحول الدموع من مجرد حزن إلى رجاء، ويصير الألم طريقًا لعزاء داخلي يقدمه الله للقلوب المنكسرة.
 
   كما أن الضيق يعلّم الإنسان الاتكال على الله بدل الاعتماد على الذات فقط. ففي الشدة يتعلّم الإنسان الصلاة، والصبر، وانتظار عمل الله، وكثيرًا ما يتحوّل الضيق إلى سبب للنمو الروحي واكتشاف القوة التي يمنحها الله لأولاده. والسيد المسيح نفسه دعانا في أوقات التعب والضيق أن نأتي إليه قائلًا: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (مت 11: 28). ففي المسيح نجد الراحة الحقيقية والسلام الذي لا يستطيع العالم أن يمنحه.إن البكاء وحده ليس هو كل شيء، إنما هو بكاء مصحوب باستعداد روحي لمقابلة الله. وتِذْكَار الموت له فوائده العديدة، والدموع واحدة منها. فهو يوقف الإنسان أمام حقيقة نفسه وأن حياته «بُخَارٌ يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ» (يع 4: 14).
 
ولذلك قال داود النبي: «عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ» (مز 39: 4).وهكذا لا يبقى الضيق مجرد ألمٍ عابر، بل يصير طريقًا يردّ القلب إلى الله ويثبّت الرجاء فيه. فالله لا يترك المنكسرين، بل يعزيهم ويقودهم نحو سلامٍ أعمق ونضجٍ روحي. ومع كل دمعة تُسكب أمامه، تتجدد الثقة بأن رحمته قريبة، وأن خلاصه يأتي في وقته.
 
وهكذا يتحوّل الضيق مع الله إلى مدرسة للرجاء والاتكال عليه. ومع كل دمعة صادقة يمنح الرب تعزيةً وسلامًا، ويقود القلب إلى ثباتٍ ونضجٍ روحي.