بقلم الأب يسطس الأورشليمى
   الصوم الكبير، هوعبادة حقيقية لإله مُحب البشر يجب علينا أن نهتدي بدستورنا السماوي، لنعبر عن طريق العبادة والصلاة التقية إلى عمق الحب الإلهي، فنسمع نبضات قلبه ونسمع نسمات حبه، لنعيش حياة هادئة مع الإله المنظور فينا الرّب يسُوع..
 
قبُولك لكلمة الله في الإنجيل، عرفت الحقّ الذي يُضيء ويُنير فكرك، وقبُولك لسرّ الأفخارستيا، عرفت الحقّ الذي يُشبع ويروي قلبك، وقبُولك المسيح، عرفت الحقّ الذي يجعل الرُوح القُدس يسكن بغنى ويشتعل في داخلك، فتحب الله من كُل قلبك ونفسك وفكرك، تغيرُوا عن شكلكُم بتجديد أذهانكُم (رو2:12)، وتقُول: أحيا لمَن أحياني، وأعيش لمَن اشتراني، وأقدس ذاتي لمَن فداني..
 
والتغيير وصية كتابية وله ركائزه مثل: تجديد الذهن بالتوبة، والعضوية في جسد المسيح الكنيسة، والخدمة داخلها والشهادة للمسيح في المجتمع.
 أن الصُوم الكبير عبارة عن: رحلة داخل أعماق الكتاب المُقدس، حيثُ تنقلنا من مجد إلى مجد، سنأخذ الطائرة وسيلة لسفرنا، لكنها ليست طائرة عادية، فهي: جسمها الصلاة، وجناحيها الصُوم والصدقة..
 
ونحنُ نستعد لهذه الرحلة في أحد الرفاع بحماس، حيثُ يُقبل عليها الرجال والسيدات، الكبار والصغار، الأغنياء والفقراء، والجميع يتسابقُون لدفع رسُوم الاشتراك في الأحد التالي وهُو: 
 
   أحد الكنُوز، لأنه حيثُ يكُون كنزك هُناك يكُون قلبك أيضاً، لا تنزعجُوا من صعُوبات ومخاطر الرحلة، فستواجهنا ثعالب صغيرة بأشكال متعدّدة لإعاقتنا، ولكننا سنجد تأمين كافي لحمايتنا منها في أحد التجربة، وسنرى كيف أستطاع الرّب يسُوع المسيح أن ينتصر: على شهُوة الجسد، وشهُوة العين، وتعظم المعيشة، وأعطانا السلاح الكامل حتى ننتصر على العدُوّ، فنُكمل رحلتنا بسلام .. ونلاحظ أن: هذه الحرُوب تُوجّه ضد الرجال، والسيدات،
 
والأحداث، ولذلك سنُقابل الابن الضال، والمرأة السامرية كُلاً في أحده، وحتى لا نُصاب باليأس ونتحلى بالصبر، سنتعرف على المشلُول الذي له 38 سنة في أحد المخلّع، وقُول الرّب له: قُم، أحمل سريرك وامشِ، لتنفتح أعيننا مع المُولُود أعمى، فيدخل رّب المجد قلبك في أحد الشعانين، ونسمعه يقُول على الصليب: أين شُوكتكَ يا مُوت، أين غلبتُكِ يا هاوية؟! يعظُم انتصارنا بالذي أحبنا، ونصرخ مع الملائكة قائلين: المسيح قام، بالحقيقة قد قام.. 
 
الصوم الكبير يحتل المكانة الأولى في الكنيسة، فهُو الذي صامه السيد المسيح، ويجب ألا يكُون صومنا كما لقُوم عادة بل نحنُ مدعُوين لبدء حياة جديدة ترضي الله وتوصلنا للسماء، لنحرص أن تكون أصوامنا مقبُولة لدى الله مثلما صام مُوسى وإيليا، ومثل نحميا عندما علم بتهدم أسوار أورشليم يقول: صمت وصلّيت أمام إله السماء، فأنجح الله طريقه..  
 
ومثلما صام الرُسل وبينما هُم يخدمُون الرّب ويصومُون قال الرُوح القُدس وقيل عن بُولس في أصوام مراراً كثيرة..
 
راجع الكتاب (نح4:1؛ مت33:12؛ أع13).اجعلوا الشجرة جيدةً وثمرها جيداً .. لأن من الثمر تُعرف الشجرة..
 
وكما يقُول مار أسحق السرياني: الصوم يحافظ على كُل فضيلة، فهُو بداية الجهاد وبدء طريق المسيحية وأم الصلاة..
 
كان القمص ميخائيل رُجل صلاة يقُول: يجب على المُصلّي أن يثق تماماً ويُؤمن بحرارة قلبية بأن صلاته مقبُولة ... القراءة كالصلاة، ففي القراءة يُخاطبنا الله، وفي الصلاة نُخاطب نحنُ الله..
 
وعندما طردُوا الأنبا أبرام رفض أن يخرج وقال: لا تحرمُوا المجمع من وجُود رجال الله، أتركُوه ليعزينا عن عملنا وتعب أيدينا.. كان له صوت جميل وصانع سلام في الدير بين الرهبان وبعضهُم..
 
يرى كثيرُون أن هناك تشابهاً كبيراً بين الأنبا أبرام وتلميذه القمص ميخائيل البحيري، وكان لكليهما سيرة ملائكية وفضائل نسكية وعجائب وأقوال وأعمال، طوبى لصانعي السلام، لأنهُم أبناء الله يُدعون..
 
يجب أن تكُون الصلاة دائمة، لأنه ينبغي أن يُصلّي كُل حين، صلوا بلا انقطاع، راجع الكتاب (لو1:18؛ 1تس17:5(
 
يُصلّي بإيمان، فيطلب بإيمان غير مُرتاب، لأن كُل ما تطلبُون في الصلاة مُؤمنين تنالون (مت22:21؛ يع6:1)
 
يُصلّي بإحساس حضُور المسيح أي بقلب مفتُوح على الله، يقُول: عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحيّ (مز2:42)
هل تحرص على قراءة الكتاب كُل يوم؟
هل تقرأه بتركيز ودُون تشتت في الذهن؟
هل تثق عندما تقرأ أنها رسالة خاصة لك؟
حين تقرأ الكتاب المُقدس لا تقرأه كأي كتاب آخر، لابد أن تقرأه وأنت واثق أنك جالس عند قدمي القدير، ومُؤمناً بكُل قلبك أن كلماته رُوح وحياة، تقرأ برُوح الصلاة: يارّب أعطني أن أكتشفك هُنا..
 
علمني يارّب كيف أرتمي عند قدميك، وسط آلامي تعزياتك تُلذّذ نفسي، أنت هُو ملجأي ومصدر كُل تعزية، فلا تحزنُوا كالباقين الذين لا رجاء لهُم (1تس13:4)، أنت يارّب تُحاُورني، لكي تعطيني فرصة ثمينة للتمتع بحبُك فالحُوار معك ممتع ومُفيد، برُوحك القُدوس علمني الهرُوب من كُل حُوار باطل، ألا يجب أن أسلم نفسي للدمُوع دقائق قليلة من أجل الذي صلّى من أجلي، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرضِ؟ وقال: في العالم سيكُون لكُم ضيق، ولكن ثقُوا: أنا قد غلبتُ العالم..
 
قال أحد القديسين الأتقياء: أن الذي يتهاُون بالصلاة، ويظن أن له باباً آخر للتُوبة، فهُو مخدُوع من الشياطين..
 
الصلاة: هي صلة واتصال بالله للانطلاق نحُو السماء، ويُعطيك في ذلك ثلاثة شرُوط، حتى يحتمل جسم الطائرة الضغُوط الخارجية وهي:
(1) تدخل مخدعك..  (2) تغلق بابك..  (3) تُصلّي إلى أبيك في الخفاء وأبُوك الذي يرى في الخفاء يُجازيك علانيةً (مت6:6)
 
أما الصدقة فهي خاصة بالنفس، وبقدر ما تُعطي تُظهر وتُعلن أن نفسك مُتضعة ومُنسحقة، وليكن طعامنا الرُوحي جسد الرّب ودمه الأقدسين، هُو شبعنا في اصُوامنا، ولنغسل وجُوهنا بدمُوع التُوبة، ونمسح رأسنا بزيت النعمة، فهي حركة نحُو الآب السماُوي، وتسليم الحياة بين يديه، والشعُور بأحضانه الأبُوية، والتمتع بالصلاة والتأملات في شخصه الحنُون..
 
 فنسمع نبضات قلبه، ونشعر بنسمات حُبه، ونقُول مع بُطرُس: يارّب، جيد أن نكُون ههُنا!! (مت4:17؛ رو17:14)، لأن ليس ملكُوت الله أكلاً وشرباً، بل هُو برّ وسلام وفرح في الرُوح القُدس..  
 
أكيد أن الدستُور الذي نُريده هُو الدستُور السماوي، لأن الأرضي تنتهي صلاحيته بمَن وضعُوه، وأهدافه كُلها أرضية لا تفيد بشريتنا التي تُريد أن تُحقق أمالها السماوية بعيدة عن مزايدة العالم، وشهواته الفانية بل تتبع  السماء عن طريق الصدقة والصلاة، والفضيلة والصبر، والجهاد الرُوحي، فدستُور العالم مبني على كُل ما هُو للعالم، أما دستُور السماء فمبني على الإيمان، والمحّبة والسلوك، والسيرة العطرة (2بط3:1-7)
 
ونحنُ نعبر بفكرنا وحياتنا من العالم الأرضي، وكُل ما فيه عن طريق علاقتنا مع الله الذي يرى أعمالنا في الخفاء، ويُجازي علانية، فالصلاة ما هي إلا علاقة نصعد عن طريقها بفكرنا من الأرض إلى السماء، عابرين وادي الموت والبكاء إلى معرفة رّبنا يسُوع المسيح، فعبُورنا من عالم الكسل والشرّ والخطية، مُرتبطة بجهادنا واشتياقنا إلى السماء..
 
ما أحلاها فرحة حينما الإنسان يشعر إنه عبر وفاز بالله الإله الحقيقي، ويقُول: اعبدُوا الرّب بفرح، ادخلوا إلى حضرته بترنم، اعلمُوا أن الرّب هُو الله هُو صنعنا وله نحنُ شعبه وغنم مرعاه (مز100)
 
حقاً أن ملامح طريق الحقّ والحرية أي طريق السماء، واضحة وضُوح الشمس، فهيا نتسابق لكي نعبر عن طريقها بدستُور إلهي عجيب يفوق العقل البشري، وهُناك نتمتع بإله مُنتظر رجُوعنا إليه..
 
أكيد أن إلهنا الحيّ منظور في كُل الخليقة التي تهللّت عند مجيئه، ولكن ونحنُ على أعتاب الصوم الكبير، أمالنا أن نفتح باب السماء بالصوم والصلاة والصدقة لكي نلتقي بالإله الذي يُجازينا علانية..
 
المُؤمن الحقيقي الذي يُمارس الفضائل ويخضع لدستُور السماء والكنيسة في أصوامها وطقُوسها له حقّ الحياة مع الإله المنظور من خلال الأسرار، فيرى الله في سرّ الأفخارستيا خُبز وعصير كرمه، وفي سرّ المعمُودية الأم التي تلد، وفي التوبة والاعتراف يرى الله الغافر.. 
 
وهكذا في باقي الأسرار نرى الله غير المنظور منظوراً من خلال الحب الإلهي الحيّ فينا بصورته، وكما قال الكتاب: ونحنُ جميعنا ناظرين مجد الرّب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرّب الرُوح، الذي هُو صورة الله غير المنظور بكر كُل خليقة، المسيح الذي أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له..