د.ماجد عزت إسرائيل
  في كل عام،حين يقترب موعد الصوم المقدس الشهير بـ(الصوم الكبير) وتعود أيام فبراير بذاكرتها الخاصة، تعود معي سيرة أمي الحبيبة الطيبة. لا تعود كحزن فقط، بل كدرس ممتد في معنى "الحق" حين يصبح أسلوب حياة لا شعارًا. كانت أمي ترى أن الحق لا يثبت بالضجيج، ولا يحتاج دائمًا إلى ورق يبرره، لأن جذوره أعمق من المستندات: جذوره في الضمير الذي تربّى داخل الكنيسة، وفي مخافة الله التي تجعل الإنسان أمينًا حتى وهو وحده. وبين قول الحق وأعمال الظلمة عاشت أمي خطًّا واضحًا لا يتبدل: إمّا نور تُقبل إليه القلوب الصادقة، أو ظلمة يجب أن تُرفض ولا يُشترك فيها. وهذا المعنى يلخّصه الإنجيل بوضوح: «وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ». (يو 3: 21). 

 لم تكن أمي الحبيبة الطيبة تتعامل مع الحق بوصفه فكرة نظرية أو حديثًا مثاليًا. الحق عندها موقف، والموقف امتحان. وقد ظهر هذا بوضوح منذ صارت أرملة بعد رحيل والدي في نوفمبر 1972م. لم ترَ في الأرملة ضعفًا، بل مسؤولية. حملت راية الجهاد في تربية أولادها، لا بشدة القلب، بل بثبات الضمير. كانت تؤمن أن الكذب لا يُهزم بالوعظ فقط، بل بأن يرى الأبناء مثالًا حيًا أمامهم. ولهذا كانت كلماتها اليومية البسيطة أقوى من أي درس: الله يرى، الله يسمع، الله يراقب. وما دام الله حاضرًا، فلا مكان لعيش مزدوج أو ضمير منقسم. كانت تكرر معاني الكتاب: «أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ» (رؤ 2: 19). ليس لتخويف أولادها، بل لتثبيتهم، لأن معرفة الله بأعمالنا هي سياج يحمينا من التزييف.

ومن أجمل ما كان فيها أنها ربطت الحق بشخص المسيح نفسه. كانت ترى في السيد المسيح المثال الأعلى للصدق، حين حاول الفريسيون والهيرودسيون أن يصطادوه بكلمة. ومع ذلك لم يساوم، ولم يلتف على السؤال، ولم ينجرّ إلى فخاخهم، بل أظهر الحقيقة ببساطة وحكمة: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ» (مر 12: 12–17). هذا المشهد لم يكن عند أمي الحبيبة قصة تُروى، بل معيارًا للحياة: أن تقول الحق بلا خوف، وأن تكون مستقيمًا حتى أمام من يريدون إسقاطك.

ثم جاء الجانب الثاني من وصيتها: رفض أعمال الظلمة. كانت تميّز بين الضعف الإنساني الذي يحتاج توبة، وبين المشاركة الواعية في الشر. وكانت تعتبر المشاركة في الشر أخطر من الشر نفسه، لأن من يشارك يبيع ضميره تدريجيًا. ولهذا كانت تردد قول الرسول: «وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا» (أف 5: 11). لم تكن تفهم "التوبيخ" كفضيحة أو انتقام، بل ككشف للخطأ بغرض الإصلاح، لأن التستر على الظلم يخلق شراكة صامتة. كانت تقول إن الإنسان قد لا ينفّذ الشر بيده، لكنه يشارك فيه حين يسكت عنه أو يبرّره أو يغطيه.

وأذكر أن أمي لم تكن تكتفي بالتعليم داخل البيت. كانت تترجمه إلى أفعال تُرى. من أقوى المواقف التي سمعت عنها وعايشت أثرها في المنطقة أنها ذهبت بنفسها إلى قسم الشرطة حين صدرت أوامر بغلق الكنيسة التي كانت تخدم أبناء المنطقة. وقفت أمام مأمور القسم لا بمنطق تحدٍ فارغ، بل بمنطق رسالة. قالت له معنى واضحًا: هذا مكان عبادة، يعلّم الأولاد قول الحق وعدم الكذب، يربّيهم لكي لا يكونوا لصوصًا ولا مجرمين. الكنيسة ليست خطرًا على المجتمع، بل صمام أمان. والنتيجة أن الكنيسة فُتحت، وعاد الناس للصلاة. هذا ليس مجرد حدث إداري، بل ترجمة عملية لرفض أعمال الظلمة، لأن الظلم لا يتراجع أمام الخوف، لكنه قد يتراجع أمام كلمة حق تخرج من قلب نقي.

كانت أمي تعرف أن الحق لا يعيش في الظل. كانت تذكّر أولادها بالآية المخيفة والمريحة في آنٍ واحد: «كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ يُسْمَعُ فِي النُّورِ» (لو 12: 3). مخيفة لمن يعيش في ازدواجية، ومريحة لمن يسعى للنقاء. لهذا كانت تربي على الشفافية: لا تفعل في الخفاء ما تخجل أن يُقال في العلن. ولا تضع قناعًا أمام الناس ثم تُسقطه خلف الأبواب. كانت ترى أن النفاق يدمّر صاحبه قبل أن يدمّر غيره، وأن طهارة الضمير هي القوة الحقيقية.

لكنها في الوقت نفسه لم تكن قاسية ولا متشددة في المعنى الخاطئ. كانت تعرف أن الإصلاح يحتاج روحًا حانية. لذلك حين كانت تتكلم عن توبيخ أعمال الظلمة، كانت تربطه بوصية المسيح في الإصلاح الشخصي: «وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا…» (مت 18: 15). أي أن الهدف ليس التشهير، بل إنقاذ الإنسان. والفرق كبير بين من يفضح ليؤذي، ومن يكشف الخطأ ليصلح. أمي كانت من النوع الثاني: تحارب الشر وتحب الإنسان.

ومن الجهة الأخرى، كانت الكنيسة محور حياتها، ليس كعادة اجتماعية بل كهوية. لها آداب قدّمتها لنا دون أن تشرح كثيرًا، لأن سلوكها كان يشرح. كانت تستيقظ مبكرًا يوم القداس، وتذهب قبل فتح الكنيسة. وبعد بناء كنيسة بلدنا كانت تفتحها في السادسة صباحًا، وتفعل ما يلزم في صمت ومحبة. كانت تعيش معنى «فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب»، وتعلمنا أن بيت الله يُدخَل بخشوع، وأن الصلاة ليست حركة جسد بل حضور قلب. علمتنا احترام المكان والوقت والبركة الأخيرة والتسريح. حتى التفاصيل الصغيرة كانت عندها جزءًا من التربية: الهدوء في الكنيسة، عدم الانشغال بالنظر هنا وهناك، التركيز في الصلوات، والملابس المحتشمة اللائقة ببيت الله.

وحين أفكر اليوم في كل ذلك، أجد أن وصية أمي يمكن تلخيصها في محور واحد: أن نكون أبناء نور، لا أبناء مظهر. النور ليس كلامًا جميلًا، بل مسار حياة. النور يعني أن أقول الحق حين يكون الحق مكلفًا. وأن أرفض الظلمة حين تكون الظلمة مغرية. وأن أواجه الشر بروح الإصلاح لا بروح التشفي. وأن أعيش أمام الله كما أعيش أمام الناس، لأن الله يرى في كل الأحوال.

وأخيرًا، في ذكرى رحيل أمي الحبيبة الطيبة في ٢٣ فبراير ٢٠٠٩م، وفي ذكراها السابعة عشرة، لا أكتب عنها بوصفها ذكرى حزينة، بل بوصفها أمانة: أمانة الحق الذي تعلّمناه منها، وأمانة النور الذي سارت نحوه دون تردد. لقد رحلت بجسدها، لكن معانيها ما زالت حيّة فينا؛ تذكّرنا بالصدق، وبالشجاعة في مواجهة الظلم، وبأن طريق النور يبدأ من الضمير ويكتمل في عمل الخير.