عادل نعمان
بمناسبة قضية التحرش الأخيرة والمعروفة بفتاة الأتوبيس «مريم شوقى» إعلامية لامعة تنصح بنات جلدتها بأن يحسنَّ اختيار ملابسهن، وألا يسرفن فى زينتهن أو إثارة الشباب برسومات أو حلى فى أماكن ظاهرة منهن حتى لا تكون دافعًا للتحرش، والحق أقول إننى لم أتخيل أن تكون هذه الإعلامية من بنات جلدتها، فهذا نجاح يضاف إلى نجاحات الفكر السلفى الذى اخترق المتعاطفين وأصحاب الحق فأصبحوا مدافعين عن الجانى، ويجدون العذر لجريمته، بل يعطونه مسوغًا شرعيًّا ومبررًا لنزواته ورغباته
، ومن ثم دفع المجنى عليه إلى قفص الاتهام شريكًا للجانى ليكون الجانى والمجنى عليه، والظالم والمظلوم، وشر البلية ما يضحك ويبكى، فقد جاء اليوم الذى نبرر فيه للمتحرش فعلته بل يحرضه البعض على جريمته «كما قال أحد المشايخ مبالغة المرأة فى تبرجها إلحاح منها على عرض نفسها على الرجل» وكما قال المحامى «الوحش» بكسر الواو والحاء (التحرش بالبنت اللى لابسه بنطلون واجب وطنى)، وهذا الداعية لا أذكر له اسمًا «اللى تنزل من بيتها لابسه نص كم معندهاش أخلاق»!!. ولو كنا فى بلد القانون لقدمناهم جميعًا للمحاكمة.
ويجرنا الحديث إلى ضرورة تعريف جريمة التحرش تعريفًا مانعًا جامعًا، لا يضع على الإطلاق مبررًا تافهًا كان أو جسيمًا يحتج به المجرم أو يتخذه عونًا ومؤيدًا لفعلته المهينة، سواء كان زيًّا مقبولًا أو مرفوضًا كاشفًا عاريًا أو ساترًا، أو مكان أو زمان تواجد الضحية نهارًا أو ليلًا، مكان عامر بالسكان أو خاوٍ منهم حتى لو كان خربًا، فلا مبرر أو حجة تدعو للتحرش حتى لو اجتمعت كل هذه الأسباب والظروف فى حالة واحدة، فإن خطورة البحث عن مبرر أو عذر للجانى لارتكاب الجريمة تفتح الباب على مصراعيه لتفشى الظاهرة، بل تصبح ظاهرة مجتمعية تهدد سلامة المجتمع وسمعته عالميًّا، الأخطر أن نترك للناس وضع قواعد خاصة للحكم على لباس المرأة أو مكان وزمان تواجدها، فليس من الحكمة أن نترك للناس على اختلاف قدرهم وعلمهم وثقافتهم تحديد وتعريف ماهية المصطلحات وتحديد مفهوم المفردات، أو الحكم على الناس من خلال زيهم أو أماكن تواجدهم فلا حق ولا سلطان للناس على الناس.
وأطالب أيضًا فى هذا الشأن بأن يعامَل المحرض على التحرش معاملة الفاعل الأصلى، فربما بتحريضه هذا قد دفع الجانى إلى التحرش ولم يكن يومًا كذلك، ووجد فى رأيه حجة وتنبيهًا وقد كان منصرفًا وبعيدًا عن خاطره وضميره، وحين تكون هذه الإجازة من مشايخ فيا سعد من سمع النداء!! وأكاد أجزم أن هؤلاء المشايخ قد سهّلوا وأباحوا ورخّصوا للذئاب البشرية هذا الفعل الرخيص، وما دام هؤلاء قد أباحوا من قبل نهب أموال الناس بالباطل تحت راية الفتوحات والغزوات، وسبى النساء ومضاجعتهن دون رضا تحت عنوان «أحقية المسلم فى الاستمتاع بالأسيرات لإذلالهن»، وسرقة أموال غير المسلمين لتمويل الجهاد تحت باب «الفىء»، ونكاح الطفلة، وضرب المرأة لتأديبها، فلا عجب إن أباحوا التحرش بالنساء فى الشوارع، وملاحقتهن وملامستهن، بل والقيام بالفعل الفاضح فى الطريق العام، وخدش الحياء، ويصبح كل هذا فخرًا واعتزازًا ورجولة.
التحرش هو اعتداء على حرية وأمن وسلامة المجتمع، ولا مبرر لهذا التقاعس، فى الدول المتقدمة تعتبر مواقعة الأنثى دون رضاها اغتصابًا، حتى لو كانت الزوجة نفسها! بل حتى لو كان برضاها وموافقتها وهى قاصر «تحت السن القانونية» يعتبر اغتصابًا أيضًا، كذلك ملاحقة الأنثى بالنظر تحرش، المتابعة تحرش، واللمس أو المحاولة أو التلصص تحرش.
نريد نصًا محددًا قاطعًا مغلقًا مقفولًا دون حجة أو مبرر أو ذريعة نرفع بها الذنب والجرم عن المتحرش، ودون البحث عن سبب تشارك به الأنثى المتحرش فعلته وتتقاسمها معه، أو تحمل عنه الوزر كله أو بعضه، كل هذه الحجج خارج النص المعمول به، التحرش جريمة دون مبرر أو تخفيف أو عذر أو سبب أو ذريعة أو حجة، فلا عذر للمتحرش، ولا مجال للبحث عن سبب أو دافع أو تبرير يرفع عن المتحرش جريمته أو يخفف عنه فعلته. لا دخل لنا بكل هذا، من تحرش بأنثى يعاقب مهما كان موقعها وموقفها وديانتها وزيها وزينتها ومكانها، ونغلق القوس والباب على كل متحرش. هذا إذا كنا نريد محاربة التحرش، أما إذا كنا نحاربه بسيف من خشب، فلنبحث لكل مجرم وكل متحرش عن مبرر كى يخرج من المسؤولية كالشعرة من العجين، ولا أخفى أننا بارعون فى الخروج من العجين جيدًا، التعريف يا سادة هو بداية الطريق الصحيح.
الدولة المدنية هى الحل.
نقلا عن المصرى اليوم





