القس رفعت فكرى سعيد
فى مشهدٍ يتكرر كل عام، تتجاور فى شوارع مصر موائد الإفطار الرمضانية مع استعدادات الصوم الكبير، وتتلاقى أصوات التراتيل مع أذان المغرب، ويعيش الوطن إيقاعًا دينيا خاصًا، حيث يصوم المسلمون والمسيحيون معًا، كلٌّ بحسب تقليده وإيمانه. هذا التزامن ليس مجرد مصادفة زمنية، بل فرصة أخلاقية وروحية نادرة لطرح سؤال جوهرى: ما الغرض الأسمى من الصوم؟.
الصوم فى جوهره ليس امتناعًا عن الطعام بقدر ما هو امتناع عن التوحش، ليس حرمانًا للجسد بقدر ما هو تهذيب للإرادة، ليس طقسًا شكليًا بل تمرينًا على الحرية الداخلية. إنه إعلان أن الإنسان أكبر من شهواته، وأنه قادر على أن يقول «لا» لما اعتاد عليه، ليقول «نعم» لما يسمو به.
الغرض من الصوم هو أن يبلغ الإنسان حالة من اليقظة الأخلاقية الدائمة، مراقبةً لله، وانحيازًا للخير ويرتبط الصوم بالعودة إلى القلب: «متى صمتم فلا تكونوا عابسين... والله الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية». المعنى هنا واضح: الصوم ليس استعراضًا، بل علاقة داخلية صادقة، لا تُقاس بطول ساعات الامتناع بل بعمق التحول.
الغرض الأسمى للصوم إذن هو إعادة ترتيب الأولويات. حين يجوع الجسد، تتذكر النفس جوعًا أعمق: جوعها إلى العدل، إلى الرحمة، إلى الصفح، إلى المصالحة. الصوم الحقيقى لا يكتفى بتغيير مواعيد الطعام، بل يسعى إلى تغيير أنماط التفكير والسلوك. لا قيمة لصومٍ يمتلئ فيه الفم بالصلاة بينما يمتلئ القلب بالكراهية، ولا معنى لامتناعٍ عن اللقمة مع إطلاق العنان للظلم أو الإهانة أو الفساد.
ومن هنا يصبح الصوم مدرسة اجتماعية بقدر ما هو رياضة روحية. فالإحساس بالجوع يوقظ الضمير تجاه إخوتنا فى الإنسانية، ويجعل العطاء ليس تفضّلًا بل مشاركة فى الألم الإنسانى. فى لحظة الصوم، يدرك الإنسان هشاشته، فيتعلّم التواضع؛ ويختبر احتياجه، فيتعلم التضامن. لذلك ارتبط الصوم عبر التاريخ بالصدقة، وكسر الأنانية، ومدّ الجسور بين البشر.
وفى السياق المصرى، حيث تتجاور المآذن والكنائس، يمكن لهذا التلاقى الزمنى بين الأصوام أن يتحول إلى مساحة مشتركة للقيم الكبرى: ضبط النفس بدل الانفلات، الرحمة بدل القسوة، الحوار بدل الاحتقان. الصوم المشترك لا يعنى ذوبان الفوارق العقائدية، بل يعنى اكتشاف المشترك الإنسانى: أن كرامة الإنسان فوق أى خلاف، وأن تهذيب النفس مقصد تتفق عليه الأديان.
الغرض الأسمى للصوم ليس أن نشعر بالجوع، بل أن نشعر بالآخر. ليس أن نحصى الأيام حتى العيد، بل أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا. ليس أن نغيّر نظامنا الغذائى، بل أن نغيّر قلوبنا.
وحين ينتهى الصوم، يبقى السؤال الحقيقى: هل خرجنا منه أخفّ كراهيةً، أصدق لسانًا، أعدل حكمًا، أرحم قلبًا؟ إن لم يحدث ذلك، صار الصوم عادة موسمية. أما إذا تغيّر فينا شىءٌ حقيقى، ولو قليل، فقد بلغنا شيئًا من غايته الكبرى.
فى زمن يمتلئ بالضجيج والانقسام، يمنحنا تلاقى الأصوام فرصة هادئة لنراجع أنفسنا، ونسأل: أى إنسان نريد أن نكون؟ فالصوم فى النهاية ليس امتحانًا للجسد، بل امتحانًا للضمير.
نقلا عن المصرى اليوم





