د. رامى عطا صديق
تحتل «السوشيال ميديا» جزءًا أساسيًا من ممارسات الحياة اليومية لعدد كبير من المصريين، حيث تُشير إحصائيات نشرتها وسائل الإعلام على مدار العام الماضى (٢٠٢٥م)، إلى أن عدد مُستخدمى الإنترنت فى مصر وصل إلى «٩٦.٣» مليون فرد، ليصل معدل انتشار الإنترنت إلى ٨١.٩٪ من جملة السكان. وقد بلغ عدد مُستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى نحو ٥٠.٧ مليون مستخدم، ما جعل مصر تحتل المرتبة الأولى عربيًا فى عدد مُستخدمى «السوشيال ميديا»، التى خلقت اهتمامات جديدة، وأتاحت فرصًا كثيرة ومجالات عمل متنوعة، وبالإجمال فإنها سمحت بأنماط جديدة من أسلوب الحياة، خاصة وأنها مُتاحة أمام الجميع.
ويُعد موقع «فيسبوك» المنصة الأكثر شعبية بـ «٤٨.٧» مليون مُستخدم. ووصل عدد مستخدمى تطبيق «تيك توك» إلى ما يُقارب «٤١.٣» مليون حساب، لتصبح مصر فى المركز الـ١١ عالميًا. وبلغ عدد مُستخدمى «إنستجرام» ٢٠ مليون مُستخدم لتدخل مصر قائمة الـ٢٠ دولة الأعلى استخدامًا. ووصل عدد مستخدمى منصة «إكس» إلى ٥.٢ مليون حساب.
هذه الأرقام والإحصائيات تعكس حجم استخدام «السوشيال ميديا»، وهو أمر يتصاعد يومًا بعد آخر. ولعل من يتابع المشاركات والتفاعلات التى تحملها شبكات «السوشيال ميديا» يكتشف كيف أن هناك أكثر من مصر، فعلى وسائل التواصل الاجتماعى تستطيع أن ترى مصر الجميلة وأهلها الطيبين، مصر الخير والحب والتسامح والسلام، والمبادرات المجتمعية الرائدة، مصر الثقافة والحضارة، الابتكار والريادة والإبداع فى مختلف المجالات والقطاعات، حيث المواقع الأثرية التى تنتشر بطول البلاد وعرضها، وحيث المؤسسات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والإعلامية وغيرها.
وعبر سنوات مضت، نجحت شبكات التواصل الاجتماعى فى دعم بعض قضايا المجتمع، وواجهت بعض صور الفساد، وكشفت عن بعض أشكال الجريمة، وكان لها دور فى التعريف بنماذج رائدة ومُلهمة فى مختلف العلوم ومجالات العمل.
وفى المقابل يمكننا أن نرى وجهًا آخر، غير مستحب وغير مرغوب، وكأنك فى مجتمع شرير يزداد شراسة، ففى كل يوم تطفو على السطح جرائم وحوادث غريبة على مجتمعنا، ويتمادى البعض فى مناقشتها وتناولها بكثير من المبالغة والتهويل، وبصورة غير لائقة تفتقر أحيانًا- وربما كثيرًا- للمعلومات.
وعلى حسابات «السوشيال ميديا» وصفحاتها ظهرت شخصيات، ممن يُطلق عليهم «بلوجرز» و«يوتيوبرز» و«تيكتوكرز»، يقدم بعضهم- وليس كلهم- مضمونًا تافهًا وسطحيًا، يتعارض بعضه مع القيم والأخلاق والأعراف والتقاليد، ومنها ما يُعتبر خطاب تمييز وتنمر وتعصب وكراهية، فضلًا عن بعض المضامين التى تنطوى على محاولة إثارة وتفريق بين مكونات الجماعة الوطنية المصرية، هذه الشخصيات وإن كانت موجودة فى الواقع منذ سنوات بعيدة، إلا أنها لم تكن تحتل هذه المكانة، ولم يكن لها هذه المساحة، ولم تكن تمتلك هذا الظهور الإعلامى وتأثيره، ما يجعل للأمر خطورته.
وهناك مستخدمون ينشرون أفكارًا غريبة ويقدمون سلوكيات غير مقبولة، نطالع صورًا مزيفة وفيديوهات كاذبة على غير الحقيقة، حيث تنتشر الشائعات والمكايدات، حيث تملك هوس «التريند» من البعض. نسميها وسائل التواصل الاجتماعى، لكنها أدت إلى انفصال اجتماعى، وأسهمت فى ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، وأضاعت الوقت بسبب استخدام غير منضبط وغير رشيد.
بكل تأكيد لا ألوم شبكات التواصل الاجتماعى، التى يمكن استثمارها فى أمور كثيرة إيجابية، بل يقع اللوم على استخدام البعض لتلك المنصات، دون وعى ودون مسؤولية، فى ظل فهم خاطئ لمعنى الحرية، حيث تكمن المشكلة فى حالة الاستهتار وسوء استخدام البعض، فإذا كنا لا نستطيع التوقف عن استخدام شبكات التواصل الاجتماعى، فإننا نستطيع ترشيد وضبط هذا الاستخدام بالتوعية والتثقيف، ووضع الضوابط والقوانين المُلزمة، فالأمر أشبه بقطار خرج من المحطة، من الصعب تجاهله وعدم اللحاق به، ومن الخطورة الاستسلام لسلبيات تلك الوسائل وتحدياتها.
هنا، نكرر الدعوة لإقرار مقرر «التربية الإعلامية» على تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، فى إطار من التعاون والتشبيك مع مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، حيث المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والفنية والرياضية والإعلامية والتشريعية، ومنظمات المجتمع المدنى من جمعيات ومؤسسات أهلية، حيث تستهدف «التربية الإعلامية» توعية الأطفال والنشء والشباب بالاستخدام الآمن لوسائل الإعلام وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعى، ما يتطلب التدقيق فى متابعة المحتوى الإعلامى، وحسن الاختيار والانتقاء بين مضامين إعلامية كثيرة ومتنوعة، وتشجيع المشاركات الإعلامية الهادفة، والتوعية بالمفهوم الصحيح للحرية، باعتبار أن المسؤولية الاجتماعية هى الوجه الآخر للحرية، وأنه لا حرية بدون مسؤولية، وأن «الحرية المسؤولة» هى التى يمكنها المساهمة فى بناء المجتمع وتطويره، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ومن جانب آخر دعم وتشجيع المبادرات التى تستهدف ضبط وترشيد استخدام «السوشيال ميديا»، ومنها مبادرة «معًا.. يوم بلا شاشات» التى انطلقت سبتمبر الماضى.
نقلا عن المصرى اليوم





