هانى لبيب
منذ أعلنت «صومالى لاند» انفصالها عن جمهورية الصومال سنة ١٩٩١، وهى تقدم نموذجًا إداريًا وأمنيًا لحالة مختلفة نسبيًا عن تقسيم الدولة الواحدة.
وما ترتب عليه من عدم الاعتراف الدولى به، وبقائه كإقليم خارج إطار الشرعية الدولية.. لكونه يمثل شكلًا جديدًا هجينًا شاذًا.. يمتلك مؤسسات فعلية من جانب، ويفتقد الشرعية الأممية والإسهام فى النظام الدولى من جانب آخر.
الملاحظ أنه حين يتقاطع الفراغ القانونى والسياسى مع التنافس الجيوسياسى وشبكات التهريب العابرة للحدود، تظهر فى الأفق.. بيئة قابلة للتحول كمنطقة رمادية غير نظامية لجماعات وميليشيات مسلحة.. يتم تمويلها ممن لهم أجندات خاصة فى المنطقة.
تزداد هذه المخاوف فى ظل تصاعد غير مبرر لسياق إقليمى مضطرب. وهو ما يتأكد من خلال العديد من التقارير المنشورة على غرار: «رويترز: إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لمساندة الدعم السريع» بجريدة «المصرى اليوم» فى ١١ فبراير ٢٠٢٦.
وهو ما يكشف عن مساحة لا بأس بها من استخدام الأطراف الإقليمية لأراضٍ ذات سيادة مرنة أو سيطرة محدودة لتصفية حسابات وامتلاك أوراق ضغط.
السؤال هنا: هل يمكن أن تتحول مناطق مثل «صومالى لاند» أو غيرها فى القرن الأفريقى تحديدًا إلى ملاذ استثنائى وآمن لإيواء جماعات متطرفة ومتشددة وإرهابية تتبع ميليشيات وجماعات مرتزقة.. ليس لكونها حاضنة أيديولوجية آمنة، بل لكونها منطقة مناسبة عمليًا لظروفها السياسية؟!
نجاح الفكرة السابقة يعنى ببساطة، أننا أمام مخاطر غير مسبوقة. أولًا لأن نجاح تلك الفكرة يعنى تكوين اقتصاد موازٍ قائم على التدريب والتهريب والتحويلات المالية غير الخاضعة للرقابة. وهنا، يتحول التطرف من مجرد خطاب، إلى صناعة عابرة للحدود.. بحيث يكون أمرًا واقعًا.. لا يحتاج إلى اعتراف دولى، بل إلى ثغرات قانونية وحدودية. وهو ما يتطابق مع حالة القرن الأفريقى.. حيث تتداخل الحدود البرية والبحرية مع نزاعات ممتدة، تجعل السيطرة الكاملة شبه مستحيلة دون تعاون إقليمى ودولى.
ثانيًا: الحرب بالوكالة.. حيث تستثمر قوى إقليمية فى كيانات غير معترف بها فى مناطق النزاعات.. لتستخدمها كورقة ضغط جيوسياسى. وما يترتب على ذلك من الاعتراف الأحادى أو الدعم غير المعلن لتلك الكيانات لمنحها شرعية شكلية، ولكنها فى الوقت نفسه تفتح الباب أمام عسكرة السياسات المحلية. وأعتقد أن أخطر ما فى هذا الأمر، ليس فى وجود جماعة متطرفة محددة، ولكن فى احتمال تحول الإقليم إلى ساحة تنافس لأجهزة استخباراتية متعددة. ويؤكد التاريخ أن المناطق التى تدار بمنطق «المعسكر الاستراتيجى» للسلاح والمقاتلين.. يصعب إعادة دمجها لاحقًا فى منظومة استقرار طبيعى للدول.
ثالثًا: عسكرة البحر الأحمر من خلال الموقع الجغرافى لـ«صومالى لاند» على خليج عدن، والذى يجعلها على تماس مباشر مع واحد من أهم الممرات البحرية التى تسهم فى سلاسل الإمداد العالمية. ولذا، فإن أى خلل أمنى أو توسع فى نشاط تلك الجماعات المسلحة.. قد ينعكس على أمن الملاحة، ويعيد شبح القرصنة البحرية التى عانت منه المنطقة سابقًا من خلال الحوثيين. إن نجاح عسكرة البحر الأحمر لن يقتصر تأثيره على الداخل الصومالى، بل سيمتد إلى أمن البحر الأحمر.. بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية على قوى دولية كبرى.
رابعًا: شرعية الانفصال والتقسيم من خلال تزامن تثبيت تلك الكيانات غير الشرعية والقانونية مع زيادة حدة نبرة خطاب سياسى متشدد.. يترجم على أرض الواقع من خلال ميليشيات وجماعات مرتزقة إلى مشروع انفصال، وتحول من تجربة سياسية إلى حالة أمنية. وهنا يكون الخطر الاستراتيجى هو إدارة التهديدات، وليس حق تقرير المصير. وهو تحول.. يضعف أى تعاطف دولى محتمل مع القضية، ويمنح خصومها ذريعة لإعادة دمجها بالقوة أو عزلها بالكامل.
فى تقديرى، أن أفضل مسار سياسى هو الضغط على إدماج الأطراف ذات الصلة فى حوار
إقليمى برعاية دولية متعددة الأطراف.. بهدف معالجة الوضع القانونى دون تحويله إلى ورقة ضغط وصراع لأن الاعتراف أو عدمه يجب أن يكون نتيجة التفاوض، وليس كأداة اصطفاف.. لأجندات ومصالح خارجية. كما يجب الضغط على التعاون الدولى لردع وجود أى معسكرات أو شبكات تدريب عابرة للحدود ليس بالتدخل العسكرى، بل بتجفيف منابع التمويل ومصادره بالدرجة الأولى، ومراقبة الحدود البحرية والبرية. والقاعدة الاستراتيجية هنا، أنه لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. وأن المجتمعات التى تمتلك فرص عمل وتعليمًا وخطابًا فكريًا دينيًا معتدلًا ومؤسسات شرعية قوية.. هى الأقل قابلية للتحول إلى بيئات ومراكز حاضنة للتطرف. الاستثمار فى البنية هو فى جوهره استثمار أمنى وإنسانى طويل الأمد.
نقطة ومن أول السطر..
الخطر لا يكمن فى «صومالى لاند» ككيان انفصالى فى حد ذاته، بل فى البيئة الإقليمية التى تسمح بتراكم وتزايد المناطق والمساحات الرمادية. والتى تتحول تدريجيًا مع الوقت إلى منصات تستخدمها أطراف غير نظامية وغير شرعية. كما أن منعها لن يتحقق بالعزل أو كيل الاتهامات، بل عبر بناء منظومة شرعية بشفافية أمام المجتمع الدولى. والبديل هو ترك المنطقة رهينة حسابات قصيرة المدى، سيدفع ثمنها دول الجوار قريبًا، والمجتمع الدولى لاحقًا.
نقلا عن المصرى اليوم





