بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الجسد هُو خليقة الله الصالحة المُقدسة. وإن كانت بسبب خطايانا قد مالت إلى الشهُوات الشرّيرة، لكن بقبُول الابن الكلمة ناسوتنا قدّس جسدنا، فصرنا ننظر إليه بكُل وقار، وعليه فإن العلاقات الجسدية بين الرجُل والمرأة لا تعني إشباع شهوات، إنما هي علامة الحُب الداخلي بين الطرفين حيثُ الاحترام المُتبادل..
الزواج في نظر المُؤمن ليس إشباعاً لشهوات الجسد، لكنه أولاً وقبل كُل شيء هُو قبول الطرف الآخر كشخص له فكره ومواهبه وقلبه قبل أن يكُون له جسد، يتطلع إليه كإنسان يحبه ويحترمه ويُقدسه، ويرى في العلاقة الجسدية نظرة إجلال وتقديس بكُونها شركة الإنسان مع الله في إنجاب الأطفال، ليكُونُوا أعضاء في الجسد المُقدس أولاداً لله..
لماذا كّرم ومدح الرسُول بُولس حياة البتُولية، مشتهياً أن يكًون الكُل مثله يعيشُون بلا هم؟! ولماذا قامت الحركات الرهبانية؟!
البتُولية المسيحية ليست امتناعاً عن الزواج كأمر دنس، بل هي تمتع بزواج رُوحي عميق بين النفس وعريسها السماوي، خلاله لا تُريد أن تنشغل بآخر غيره، الزواج سرّ مُقدس من أسرار الكنيسة، يحترمه البتول والراهب، إنما يفضلون البتُولية ليس تدنيساً للزواج، إنما انطلاقاً نحو الحياة الملائكية المُكرسة للعبادة والخدمة الإلهية، فالرسُول لا يمنع مَن يرغب في الزواج، لكنه يُشجّع مَن لا يرغبُون فيه على البتُولية..
الكنيسة لا تمنع أنواعاً من الأطعمة كأمُور نجسة، إنما تطلب من أولادها الصُوم عنها فترة من الزمن لضبط الجسد حتى يُعطي للنفس إمكانية السيطرة على الجسد بالرُوح القُدس مُقدس الجسد والنفس معاً..
الصُوم هُو انطلاقة رُوحية أكثر منه نسكاً للجسد، لذا يُسمح للمرضى بالإفطار دُون تشكّك حاسبين المرض نوعاً من الصُوم يتقبلونه بشكر..
خليقة الله جيدةٌ، ولا يُرفض شيءٌ إذا أخذ مع الشكر،لأنه يُقدس بكلمة الله، والصلاة، راجع (1تي4:4)..
هذه هي نظرتنا للمادة، لأن الله خلق كُل شيء حسناً (تك31:1)، وليس في خليقة الله ما هُو دنس، لكن إذ سقط الإنسان تاج الخليقة الأرضية في الخطية تدنست نظرته، كما دنس بضميره بعض الأشياء بإساءة استخدمها كمَن يستخدم الحجارة والذهب والفضة في عبادة الأصنام، فالمادة في ذاتها صالحة لكن الإنسان دنسها بضميره الشرّير، لذا صار تقديسها مُرتبطاً بتقديس طبيعة الإنسان، وضميره ونظرته للحياة..
ليس شيء في خليقة الله دنس، والعلاج برشم علامة الصليب..
كُل الأشياء المُوجُودة صالحة، لأن خالقها هُو كُلي الصـــــــــــــــــلاح..
هناك أمُور ثلاث كسرّ للتقديس: حياة الشكر، وكلمة الله، والصلاة..
ونلاحظ أن: هذه الأمُور تُقدم بصُورة فائقة رائعة فريدة في الأفخارستيا حيثُ تنطلق الكنيسة بالرُوح القُدس نحو الآب السماوي لتُقدم له الشكر خلال ذبيحة ابنه كلمة الله المُتجسد، فيتقبل الآب من الكنيسة حياتها كحياة الشكر وحياة إنجيلية كلمة الله، وحياة صلاة مقبُولة مُقدسة لديه..
لهذا يُقدم لها ينبُوع تقديس بلا حدُود خلاله، ليس فقط يُقدس أرواحهُم وأجسادهُم فحسب، وإنما يُقدس أيضاً المادة على أعلى مستوى، حيثُ يتحول الخُبز والخمر إلى جسد الرّب ودمه الأقدسين في القُداس..
هذا هُو التعليم الصحيح الذي نشأ عليه تيمُوثاوس، واستلمه من الرسُول بُولس، أن كُل خليقة الله صالحة، وإن ما قد دنسه الإنسان يتقدس بالشكر والكلمة الإلهية والصلاة، لذلك يقُول الرسُول لتلميذه:
إن فكّرت الإخوة بهذا، تكُون خادماً صالحاً ليسُوع المسيح،مُتربياً بكلام الإيمان والتعليم الحسن الذي تتبعته (1تي6:4)..
لقد تربى تيمُوثاوس على الإيمان المستقيم بعيداً عن الأضاليل، وها هُو ملتزم أن يُفكر الإخوة بهذا الإيمان، لا أن يأمرهُم لأن الراعي الصالح هُو الذي لا يأمر وينهي كثيراً، ولا يتعالى على المخدُومين..
لقد وضع لنا مُخلّصنا الصالح معالم الطريق الرُوحي، ودبرت لنا الكنيسة أمنا كيفية الاستخدام والتدبير والتذكير به، فتوضح لنا ما هي الكنوز المكشوفة وهي تلك الأمور التي أوصى السيد أن تكون في الخفاء، والبعض يُعلنها ويكنزها لغرض أرضي، فيكشفها السوس ويأتيها الصدأ ويعرفها السارقون مع أن الرّب يطلب أن تكون في الخفاء لتصل إلى السماء حيثُ الحفظ والأمان، أي يُحذر من أن نكشف علاقتنا الرُوحية أمام العالم، لأن مجد العالم باطل ولا يفيد بل هُو عبث وقد جربه سُليمان الحكيم..
هُناك فرق بين معرفة أعمال الحكمة الإلهية، وبين الحكمة الإلهية الخفية فمن السهل معرفة حكمة الله الظاهرة خلال الطبيعة التي خلقها الله لأجل الإنسان، وعطاياه الفائقة اليومية، أما معرفة حكمته الخفية فيصعب إدراكها، حيثُ يبدُو الله كأنه تخلى عن الإنسان، فيسمح له بالضيق أو التجرّبة، يحتاج إلى نعمة إلهية، ليُدرك ما وراء الألم من حكمة إلهية خفية، فإذا ما نال الإنسان هذه المعرفة، تُحسب معرفة مضاعفة..
حقاً يارّب عند كثرة همُومي في داخلي تعزياتك تُلذّذ نفسي (مز94)، ونسمع الصوت القائل: نعما أيها العبد الصالح والأمين، كُنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير، تعالُوا يا مباركي أبي رثوا الملكُوت المُعدّ لكُم منذ تأسيس العالم، راجع (مز19؛ في11:4؛ 1تس18:5)..





