بقلم الأب يسطس الأورشليمى
بعد الاستعداد يأتى أحد الكنُوز، وتتضح لنا الصُورة من خلال القراءات في إنجيل عشية وباكر والبُولس والكاثُوليكُون والابركسيس، فنجد في إنجيل عشية ؟
يقُول الرّب يسُوع: اسألُوا تُعطُوا، اُطلبُوا تجدُوا، اقرعُوا يُفتح لكُم، لأن كُل مَن يسأل يأخذُ، ومَن يطلُب يجد، ومَن يقرع يُفتح له، أم أيّ إنسان منكُم إذا سأله ابنه خُبزاً، يُعطيه حجراً؟ فإن كُنتُم وأنتُم أشرار تعرفُون أن تُعطُوا أولادكُم عطايا جيّدةً، فكم بالحريّ أبُوكُم الذي في السماوات، يهب خيراتٍ للّذين يسألُونه! فكُل ما تُريدُون أن يفعل الناس بكُم افعلُوا هكذا أنتُم أيضاً بهُم لأن هذا هُو النامُوس والأنبياء (مت7:7-12)..
فأنت تسأل أولاً: عن العنُوان، ثُم تطلب ثانياً: المكان، بعد ذلك تذهب وتطرق الباب، فيفتح لك في الحال، فالله يُعطي بسخاء ولا يُعّير، وعنده كذلك نية وإمكانية العطاء، ويقُول: كم مرّةٍ أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تُريدُوا (مت37:23؛ 1تي4:2) وهُو الذي يُريد أن جميع الناس يخلُصُون، وإلى معرفة الحقّ يُقبلُون..
كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين، وقد جاء يسُوع لكي يطلُب ويُخلّص ما قد هلك، وقال: مَن يُقبل إليّ لا أخرجه خارجاً (مت28:20؛ لو10:19؛ يو37:6)..
إذاً في السُؤال تجد النية متُوفرة، وفي الطلب تجد الإمكانية حاضرة عند الله، وفي القرع بلجاجة تعرف قيمة الشيء، وتجد طلبك جاهز في الحال، ثُم يقُول: أي إنسان منكُم إذا سأله ابنه خُبزاً، يُعطيه حجراً؟ وإن سأله سمكة يُعطيه حيّة؟ فإن كنتُم وأنتُم أشرار تعرفُون أن تُعطُوا أولادكُم عطايا جيدة فكم بالحريّ أبُوكُم الذي في السماوات (مت9:7-12)..
الخُبز= رمز الحياة، والرّب يقُول: أنا هُو خُبز الحياة (يو35:6)..
السمكة= رمز البركة، والحجر= رمز المُوت، والحّية= رمز اللعنة، والرّب لا يكتفي أن يُعطيكُم خُبزاً، بل يصير لكُم خُبز الحياة، ويُحُوّل اللعنة إلى بركة، لأنه جعل الذي لم يعرف خطيةً، خطيةً لأجلنا (2كو21:5)..
ونلاحظ أن: في إنجيل عشية يتكلّم عن العطاء، بينما في إنجيل باكر يتكلّم عن المطالبة بالذي أخذته، فيقُول: كُل مَن يسمع أقُوالي هذه ويعمل بها أُشبّهُه برجلٍ عاقلٍ، بنى بيته على الصّخر، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرّياح، ووقعت على ذلك البيت فلم يسقُط، لأنه كان مُؤسّساً على الصّخر، وكل مَن يسمع أقُوالي هذه ولا يعمل بها، يُشبّه برجُلٍ جاهلٍ، بنى بيته على الرّمل، فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبّت الرّياح، وصدمت ذلك البيت فسقط، وكان سُقوطُه عظيماً! (مت24:7-28)..
هل تبني على أساس الرمل، أم على أساس من الصّخر، حيثُ المسيح صّخر الدهُور؟ هل تسعى لكي تتلامس معه ويصبح هدفك؟!
المسيح ليس مُجرد أعمال تُعمل، ولا معلُومات تُدرس، ولا طقوس تُمارس، بل هُو شخص يُقابل، ورفيق يُصادق، وحياة تُعاش..
نلاحظ أن: في قرأة البُولس أنه يُكلّم النّاس التي تجري وراء الجسد فيقُول: أنها الآن ساعة لنستيقظ من النُوم، فإن خلاصنا الآن أقرب مّما كان حين آمنّا، قد تناهى اللّيل وتقارب النّهار، فلنخلع أعمال الظُلمة ونلبس أسلحة النّور، لنسلك بلياقةٍ كما في النّهار، لا بالبطر والسُكر، لا بالمضاجع والعهر، لا بالخصام والحسد، بل البسُوا الرّب يسُوع المسيح، ولا تصنعُوا تدبيراً للجسد لأجل الشّهوات، راجع (رو11:13-14)..
الجسد يغلبنا، فكيف نستطيع أن ننتصر عليه؟
ويُوضح ذلك الكاثُوليكُون، فيقُول: كُل عطيةٍ صالحةٍ وكُل مُوهبةٍ تامةٍ هي من فُوق، نازلة من عند أبي الأنُوار الذي ليس عنده تغيير، ولا ظلّ دُورانٍ، شاء فُولدنا بكلمة الحقّ لكي نكُون باكُورةً من خلائقه..
إذاً يا إخُوتي الأحباء، ليكن كُل إنسان مُسرعاً في الاستماع، مُبطئاً في التّكلُم، مُبطئاً في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله، لذلك اطرحُوا كُل نجاسة وكثرة شرّ، فاقبلُوا بُوداعةٍ الكلمة المغرُوسة القادرة أن تُخلّص نُفوسكُم، راجع (يع17:1-21)..
فالعطية ليس في قيمتها، لكن في اتجاهها، والعطايا الصالحة مُرتبطة بالماديات، بينما المُواهب فمُرتبطة بالرُوحيات، والمُوهبة التامة هي التي تُمجد الله، وليس الإنسان، راجع (مت16:5)..
فاطلب ما هُو فُوق حيثُ المسيح، وقل مع بُولس الرسُول:
مُبارك الله أبُو ربّنا يسُوع المسيح، الذي باركنا بكُل بركةٍ رُوحّيةٍ في السّماويّات في المسيح، راجع (أف3:1)..
ثم يأتي الابركسيس ودخُول بُولس إلى الطريق المستقيم، فيقُول: لأن محّبة المسيح تحصُرنا (أع1:22-16؛ 2كو14:5)..
فالقراءات تُوجهنا مباشرةً إلى الكنُوز، فبعد أن نأخذ ونبني على الصخر نطلب ما هُو فُوق، ونلبس الرّب يسُوع، ولا نهتم بالجسد والأرضيات، ونسلك في الطريق الإيمان المستقيم، فيتغير العالم في نظرنا، ونقُول: يارّب اسمع صلاتي وأصغ إلى تضرعاتي (مز143)، ثم الإنجيل ويقُول:
لا تكنزُوا لكُم كنُوزاً على الأرض، حيثُ يُفسد السُوس والصدأ، وحيثُ ينقب السارقُون ويسرقُون، بل اكنزُوا لكُم كنُوزاً في السماء، لكن اطلبُوا أولاً ملكُوت الله وبره، وهذه كُلها تُزاد لكُم، راجع (مت19:6-33)..
لا تكنزُوا لكُم كنُوزاً على الأرض، لأنه مُعرض للخطر في المكان حيثُ اللصُوص تسرقها، والزمان السُوس والعتة تفسدها، بل أجعل الُودائع هُناك في السماء، وحيثُ يكُون كنزك هُناك يكُون قلبك أيضاً..
إن كان أولاد المعمُودية بعد أن أخذُوا حياة الاستنارة يسلكُون في الظلام (يو35:12)، فإن كان النُور الذي فيكم ظلاماً فالظلام كُم يكُون؟!
فهُو قد عالج القلب، وجعله في السماء (رو14:13).. وعالج الفكر وجعله مُستنيراً، (يع17:1)..
وعالج الذات بعدم عبادة المال، إذ كان يُوضع عند أرجل الرُسل حيثُ يُوزّع على كُل أحدٍ كما يكُون له احتياج (أع35:4)، لأن الله الإله كان في قلُوبهُم، وحيثُ يكُون كنزك هُناك يكُون قلبك أيضاً..





