كتبت- صفاء عبدالرازق
في أحد أكثر مشاهد الدراما تأثيرًا، تقدم هدى المفتي في مسلسل سوا سوا لحظة اعتراف إنساني نادر، تقف فيها شخصية «أحلام» المصابة بالسرطان أمام هشاشتها بلا أقنعة. المشهد الذي يجمعها بـ شريف الدسوقي لا يعتمد على صراخ أو ميلودراما، بل على بساطة موجعة، تكشف أن أقسى ما في المرض ليس الموت، بل تعليق الحياة في منطقة انتظار طويلة.

تختزل «أحلام» أمنياتها في تفاصيل تبدو عادية حدّ البداهة: أن تنام دون ألم، أن تتزوج «هيما»، أن تنجب أطفالًا، أن تعيش حياة طبيعية. هذه البساطة هي سر قوة المشهد؛ فالأحلام التي تبدو اعتيادية تتحول، تحت وطأة المرض، إلى رفاهية بعيدة المنال. هنا لا تتحدث الشخصية عن بطولات خارقة أو شفاء معجز، بل عن حق أساسي في الراحة الجسدية، وكأن المسلسل يعيد تعريف معنى “الحلم” من جديد.

من أكثر لحظات المشهد صدقًا اعتراض «أحلام» على المقولة الشائعة بأن “وجع النفس أقوى من وجع الجسد”. في جملة قصيرة لكنها حاسمة، تؤكد أن الألم الجسدي يحتاج إلى راحة، لا إلى فلسفة. هذا الطرح يضع المشاهد أمام حقيقة غالبًا ما تُغفل في الخطاب الدرامي: الألم ليس استعارة شعرية، بل تجربة حسية قاسية لا تُختصر في جملة ملهمة. بذلك، ينجح النص في كسر الكليشيه، ويمنح المرض بعدًا واقعيًا بعيدًا عن التجميل.

أداء هدى المفتي يتسم بقدر عالٍ من الاقتصاد التعبيري. لا تبالغ في الانكسار، ولا تتشبث بالأمل بشكل مصطنع. نبرتها تتأرجح بين خوف خافت من عدم تحقق الأمنيات، وتمسك رفيع بالحياة. نظراتها، خصوصًا في لحظات الصمت، تحمل ارتباكًا داخليًا: هل تتحدث لتودّع، أم لتتمسك؟ هذا التردد هو ما يمنح الأداء عمقه، ويحوّل الحوار إلى اعتراف إنساني صريح.

أما حضور شريف الدسوقي في المشهد فيأتي كمرآة عاطفية، يتيح للشخصية أن تتكئ على إنصات حقيقي، لا على ردود فعل درامية متوقعة. الصمت بين الجمل يصبح مساحة مشتركة للضعف، ويمنح اللحظة صدقها.

يدور «سوا سوا» حول «إبراهيم وأحلام» (أحمد مالك وهدى المفتي) ومحاولتهما تحقيق أحلامهما البسيطة رغم الظروف المعيقة، بمشاركة نهى عابدين، خالد كمال، وحسني شتا، ومن تأليف مهاب طارق وإخراج عصام عبد الحميد. غير أن هذا المشهد تحديدًا يختصر روح العمل: التمسك بالحياة ليس شعارًا، بل فعل يومي صغير، يبدأ من الرغبة في ليلة هادئة بلا ألم.

في النهاية، لا يقدّم المشهد إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد أمام سؤال بسيط وعميق: ماذا يعني أن نحلم حين يصبح الجسد ساحة معركة؟ وربما هنا تكمن قوة «سوا سوا»… في أنه لا يبالغ في صناعة الدموع، بل يراهن على صدق اللحظة، وعلى هشاشة إنسانية تشبهنا جميعًا.