يوسف إدوارد
مع كل إعلان عن تكليف وزاري جديد، لا تتغير فقط أسماء الوزراء، بل تتحرك خرائط الظهور على وسائل التواصل. فجأة، تمتلئ الصفحات بصور قديمة، ومصافحات بروتوكولية، ولقطات من مؤتمرات عامة، تُستدعى من الأرشيف وكأنها وثائق اعتماد. لقاء عابر يتحول إلى “علاقة ممتدة”، وصورة جماعية تُقصّ بعناية لتصبح شهادة قرب، ومنشور تهنئة يُصاغ بطريقة توحي بما هو أبعد من المجاملة. هكذا تبدأ عملية صناعة وزن رقمي في ظل المسؤولين.
الظاهرة لم تعد استثناءً، بل باتت سلوكًا متكررًا مع كل تغيير في مواقع المسؤولية. الاسم الجديد في التشكيل الوزاري لا يمثل فقط مسؤولًا عامًا، بل يتحول – لدى البعض – إلى فرصة لإعادة تموضع شخصي. فيُعاد تقديم صورة قديمة باعتبارها دليلاً على حضور خاص، ويُلمَّح إلى معرفة سابقة، أو تواصل دائم، أو صداقة غير معلنة. الرسالة غير المكتوبة واضحة: “أنا قريب”.
المفارقة أن هذا القرب غالبًا ما يكون لحظة عابرة في مناسبة عامة، لا أكثر. مصافحة ضمن صف طويل من الحضور، أو لقاء في فعالية مفتوحة، أو صورة التقطت في سياق بروتوكولي بحت. لكن في الفضاء الرقمي، يمكن إعادة تدوير اللحظة، وإضفاء معانٍ جديدة عليها، وبناء سردية كاملة حولها. هنا يصبح المنشور أداة إعادة تعريف، وتتحول الصورة إلى رأس مال رمزي.
السوشيال ميديا بطبيعتها تضخم الرموز. فهي لا تكتفي بعرض الحدث، بل تمنحه قابلية للتأويل والمبالغة. عدد الإعجابات، ونبرة التعليقات، وطريقة الصياغة، كلها عناصر تصنع انطباعًا عامًا بوجود وزن خاص. وهكذا يُستثمر اسم المسؤول كعنصر تعزيز، لا لشرح فكرة أو دعم مشروع، بل لإضافة وهج شخصي. يصبح القرب – ولو كان افتراضيًا – وسيلة لزيادة الرصيد المعنوي.
لكن السؤال الأعمق: لماذا نبحث عن الوزن بهذه الطريقة؟
الإجابة تكمن في خلط شائع بين القيمة والاقتراب من السلطة. في ثقافة ترى في دوائر القرار مصدرًا للشرعية، قد يبدو القرب منها طريقًا مختصرًا لاكتساب الأهمية. بدلا من أن تُبنى المكانة على إنجاز متراكم أو خبرة واضحة، يُستعاض عنها بصورة توحي بالاتصال. هنا يتراجع معيار الكفاءة، ويتقدم معيار الظهور.
المشكلة أن هذا السلوك لا يضر فقط بصورة الفاعل الرقمي، بل يربك المشهد العام. إذ يرسخ فكرة أن النفوذ يُقاس بالقرب، لا بالقدرة. وأن الحضور في صورة قد يساوي سنوات من العمل الصامت. ومع تكرار الظاهرة، يتشكل وعي جمعي مضلل يربط بين المصافحة والتأثير، وبين المنشور والمكانة.
في المقابل، القيمة الحقيقية للشخص لا تحتاج إلى ظلّ كي تتضح. الكفاءة تُثبتها النتائج، لا الصور. والخبرة تظهر في الأداء، لا في الألبومات. من يملك مشروعًا واضحًا أو أثرًا ملموسًا، لا يحتاج إلى الإيحاء بقربه من أحد. حضوره ينبع من عمله، لا من انعكاس اسم غيره عليه.
المسؤولون أنفسهم يشغلون مواقع مؤسسية، لا شخصية. اللقاء بهم – في سياق رسمي – جزء من طبيعة العمل العام، ولا يحمل في ذاته دلالة خاصة. تحويل هذا اللقاء إلى رصيد دائم، أو إلى وسيلة لإثبات أهمية ذاتية، هو تحميل للحدث أكثر مما يحتمل. فالدولة تُدار بالمؤسسات، لا بالعلاقات العارضة.
النقد هنا ليس موجهًا ضد المعرفة أو التواصل، فذلك أمر طبيعي في المجال العام. إنما هو موجه ضد تضخيم اللحظة، وضد تحويل المصافحة إلى سيرة ذاتية، والتهنئة إلى إعلان اصطفاف. حين يصبح الهدف من النشر ليس المشاركة، بل الإيحاء، نكون أمام صناعة وزن افتراضي لا يستند إلى أساس حقيقي.
السلطة بطبيعتها متغيرة؛ الأسماء تتبدل، والمواقع تتجدد. أما السمعة المهنية والرصيد الأخلاقي فهما الأكثر ثباتًا. من بنى مكانته على صورة، سيبحث غدًا عن صورة جديدة. أما من بناها على كفاءة، فلن يضره تغير الأشخاص أو تبدل المناصب.
في زمن السرعة الرقمية، قد يبدو الطريق الأقصر هو الأكثر إغراءً. لكن الوزن الحقيقي لا يُصنع في ظل أحد، بل في وضوح الدور واستقامة الأداء. وبين صورة عابرة وعمل متراكم، يبقى الفرق واضحًا لمن يريد أن يرى: الأول يمنح وهجًا لحظة، والثاني يمنح قيمة تدوم.
نقلا عن المصري اليوم





