أحمد الخميسي
الإيمان قائم قبل رمضان- وخلال الشهر الفضيل- وبعد رمضان، لكن لرمضان مغزى خاص في رحلة الايمان، إذ أنه يؤكد على أمر أساسي هو سيطرة الروح على البدن، وانتصارها على الضرورات المادية من جوع ونوم وعطش لترسيخ غلبة الروح على المادة. ويثبت لنا الفن بدوره هذه الحقيقة حينما تتعاقب أغنيات رمضان مبهجات كالعرائس، فيقودنا الفكر إلى أن من لحن الاغنية ومن شدا بها وغيرهم قد زالوا من زمن طويل بينما بقيت فقط النغمة التي ارتجفت بها روح الملحن لحظة الابداع العظيم.
ونحن مازلنا نردد أغنية محمد عبد المطلب " رمضان جانا" التي شدا بها عبد المطلب لأول مرة عام 1943 من لحن العبقري محمود الشريف، وقد انقضى على الغنوة نحو مئة عام! اختفى خلالها كل ما هو مادي، البشر الذين أبدعوا، والأماكن التي ترددت فيها الغنوة، والآلات التي عزفت، وبقيت فقط هزة الروح المنتشية وهي تحتضن العود وتبدع بمشاعر الحب والفرح.
والدرس المستفاد أن كل ما هو مادي يزول ويتلاشى وتبقى الروح التي تجاهد في رمضان لثبت أن رحلة البشرية هي رحلة انتصار كل ما هو معنوي على كل ما هو مادي. ترى من الذي يعرف الآن المطرب أحمد عبد القادر الذي غنى في 1936 أشهر أغنيات رمضان " وحوي يا وحوي"؟ قليلون من يعرفونه، لكن بقيت منه نبرات صوته الشجية، واجتازت الروح كل شيء لتظل نابضة بعد نحو مئة عام. تتلاشى أيضا بعض الطقوس التي صاحبت رمضان ومنها " المسحراتي" الذي يطوف بطبلة بين البيوت يدق عليها وينبه إلى موعد السحور، وبقي أفراد معدودون يجوب الواحد منهم الشوارع لكنه لم يعد في واقع الأمر" مسحراتي " بل " مذكراتي " يذكرنا بطقس تلاشى بينما بقيت دقاته تعلن فوز الروح والمعنى على كل شيء، هذا الفوز الذي تحقق حتى في علاقات الحب التي بدأت بالاشتهاء والضرورة المادية، ثم انتهت إلى انتصار الروح التي أخذت تشترط القبول والتفاهم والمودة قبل اي ضرورة مادية.
في مصر أيضا ولعل ذلك عندنا وحدنا ظاهرة موائد الرحمن التي تؤكد المعنى نفسه، ويشير الى ذلك الكاتب المغربي ادريس الخوري في كتابه " فم مزدوج " قائلا : " تعتبر القاهرة من العواصم العربية القليلة التي سنت تقليدا انسانيا يتمثل فيما اصطلح عليه بموائد الرحمن، ممثلون وممثلات ورجال أعمال معروفون يقيمون في كل شهر رمضان موائد إفطار الفقراء والمساكين"، وفي تلك الظاهرة أيضا تنتصر الروح على كل ما هو مادي، وتعلو قيم التضامن والتعاطف ومد يد العون. رمضان كريم حقا، وإن كنت في سني هذه أفتقد الشوارع التي كنت أدور فيها مع أقراني نحمل الفوانيس ونهتف على باب كل بيت:" أعطونا العادة" فيخرجون إلينا بحلوى أو فاكهة.
نقلا عن الدستور





