حلمي النمنم
وسط الضجيج والضوضاء التى يحاول أن يحدثها البعض داخل الأوساط الثقافية والعلمية، هناك جهد جاد ودأب يقوم به كُتَّاب باحثون وباحثات يستحق الالتفات إليه، من ذلك رسالة الدكتوراه التى نوقشت، يوم الخميس 22 يناير الماضى، فى كلية الآداب، جامعة القاهرة، بعنوان «القصر والمسألة الاجتماعية»، ركزت الرسالة على الفترة من صدور دستور 1923، حتى قيام ثورة يوليو 52، أى الحقبة الملكية بين الملك فؤاد ثم الملك فاروق.

قدمت الرسالة المدرس المساعد بالكلية د. بسنت أسامة محمد، أشرف عليها أ. د. أحمد الشربينى، العميد الأسبق للكلية، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، هو كذلك رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، ناقش الرسالة كل من أ. د. أحمد زكريا الشلق، أ. د. إسماعيل زين الدين.

تثبت الدراسة أن القصر الملكى، أى الملك شخصيًا والمقربين منه، كان منتبهًا طوال الوقت إلى الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الطاحنة والتى تم التعبير عنها فى أدبيات تلك المرحلة بثلاثية الفقر والجهل والمرض، البداية بالفقر، الذى يجر معه المرض وتراجع فرص التعليم ومن ثم الجهل.

يمكن القول إن هناك عوامل عديدة فرضت على القصر الاهتمام بالمسألة الاجتماعية، أبرزها قيام الثورة الروسية، سنة 1917 والتجربة الاشتراكية فى روسيا وقد وجدت هذه التجربة لها فى مصر معجبين منذ سنوات العشرينيات، حيث تأسس أول حزب اشتراكى فى مصر، وانتقلت الفكرة الاشتراكية إلى نطاق واسع، وراح البعض يتحدثون عن «اشتراكية الإسلام».

هناك كذلك، الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929، وقد انعكست على مصر، فى تجارة القطن - مثلاً- وفى غيرها، غير أن الأزمة تفاقمت فى مصر أكثر مع قيام الحرب العالمية الثانية. لذا وجدنا المملكة المصرية تؤسس وزارتى الشؤون الاجتماعية، لرعاية الأسر الفقيرة وكذلك وزارة التموين لتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

تضعنا الرسالة الرصينة فى مناخ الأفكار التى سادت بين صناع القرار حول القصر آنذاك، كان هناك رأى بإعادة توزيع الملكيات الزراعية (قانون الإصلاح الزراعى فى سبتمبر 52)، كان هذا الرأى يتسع بين كُتَّاب وسياسيين ومصلحين، حتى بين غير الاشتراكيين مثل عباس محمود العقاد، كان العقاد يرى أن تلك الخطوة تحمى مصر من «ثورة حمراء» لكن هذا الرأى لم يجد استجابة من القصر، إسماعيل صدقى (باشا) وزير المالية ثم رئيس الوزراء القوى، ذكر أن ذلك لو تم فمعناه أن يكون فى حصة كل مواطن أقل من نصف فدان، قياسًا على تعداد السكان سنة 1935، كان عدد سكان مصر 14 مليون نسمة، وكانت مساحة الأراضى بها حوالى خمسة ملايين ونصف مليون فدان، ثم ازداد تعداد السكان بعد ذلك، مع ثبات المساحة، فى سنة 1947، لو وزعت الأراضى على الجميع، كان نصيب الفرد ثلث فدان.

الرأى المقابل، الذى مال إليه القصر، كان أن يتم توسيع وزيادة الثروة القومية بأن تقوم الحكومة باستصلاح الأراضى البور التى فى حوزتها ثم توزعها على المعدمين، كانت هناك خطة سنة 35، لاستصلاح 55 ألف فدان خلال عشرين عامًا وتوزع بمعدل خمسة أفدنة على كل أسرة، وفعلًا بدأ تنفيذ المشروع، ثم تعثر بقيام الحرب العالمية الثانية، سنة 1939.

بعد انتهاء الحرب تحمس الملك فاروق لفكرة توسيع الملكيات الصغيرة، ورفض بشدة فكرة إعادة توزيع الأراضى التى لدى كبار الملاك، وهكذا كان مشروع كفر سعد، الذى بدأ فى نوفمبر سنة 1946، حيث تم استصلاح الأراضى التى كانت مملوكة للدولة بها، استمر المشروع على مراحل، المرحلة الأولى شملت حوالى ستمائة أسرة، وزعت أراضى على بعض المعدمين اختيروا من ميت غمر وأجا بالدقهلية ومن الغربية والمنوفية، باعتبارها المناطق الأكثر ازدحامًا بالسكان، وكان هناك مشروع مشابه قريبًا من نجع حمادى بالصعيد. كانت الأراضى توزع كذلك على بعض خريجى كليات الزراعة والمدارس المتوسطة لمواجهة مشكلة البطالة. طبعًا كان حامل البكالوريوس يحصل على مساحة أكبر من تلك التى ينالها خريج المدرسة المتوسطة.

استمر المشروع، بلغ إجمالى الأراضى (الأميرية) التى تم توزيعها على الفلاحين، حتى سنة 1951، قرابة 14 ألف فدان، تحديدًا 13،780.

رحبت معظم الصحف بالمشروع وتحدثت عما سمته «النهضة الاجتماعية فى عهد الفاروق».

أما فى «التفاتيش الملكية» ولدى كبار الملاك اتجه العمل على تخفيض إيجارات الأراضى، خاصةً وقت الأزمات. حدث فى إحدى السنوات أن الأمير عمر طوسون أعفى المستأجرين من دفع الإيجار نهائياً، بينما اكتفى آخرون بتخفيض نسبة الإيجار.

الرسالة فيها الكثير من التفاصيل الدقيقة والمركزة فى ملفى التعليم والصحة، إنشاء جامعتى الإسكندرية وعين شمس نموذجًا، وبناء المدن الجامعية، فى الصحة مشروع مبرة محمد على.

كان اهتمام القصر بأى مشروع دافعًا للأثرياء وكبار الملاك أن يتقدموا للمساهمة، مشروع المطاعم الشعبية والمجانية التى اهتم بها الملك فاروق شخصياً، حالة واضحة.

هذه الدراسة ممتعة ومفيدة للقارئ وللباحث، فى عدة أمور، ذلك أنها ترصد بالأرقام والإحصائيات الموثقة، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التى عاشها معظم المصريين منذ الحرب العالمية الأولى وحتى يوليو 1952، وتدحض الأساطير المضللة عن أن المصريين كانوا ينامون على الذهب وأن كل شىء كان متاحًا لهم «ببلاش»، حتى إن الولايات المتحدة - كما يتردد على صفحات السوشيال- طلبت من الملك فاروق أن يقرضهم عدة مئات من ملايين الدولارات.

وتكشف الدراسة كذلك أن الخطوات الاجتماعية التى قامت بها مصر بعد إعلان الجمهورية، هى فى الواقع كانت أفكارًا مطروحة بقوة منذ العهد الملكى، كل ما قام به الرئيس عبدالناصر ومن معه أنهم حولوا تلك الأفكار إلى قرارات تنفيذية.

وإذا كانت المشكلة الاجتماعية كانت مطروحة بقوة من العهد الملكى وتم التعامل معها، هل معنى ذلك أن عهد عبدالناصر، كان بمعنى ما، امتدادًا للعهد الملكى بمسميات ومظاهر جديدة أم أن هناك اختلافًا بينهما وأين يكمن؟ بالتأكيد كان الملك مدركًا للأزمات الاجتماعية بتفاصيلها، لكنه باستثناء التعليم، آثر التعامل بالمسكنات والمهدئات، القيام بإنعامات وإحسانات، دون امتلاك مشروع متكامل لمواجهة الفقر والمرض تحديدًا، وهذا ما انتبه إليه وأمسك به رجال يوليو، تحديدًا جمال عبدالناصر.
نقلا عن المصري اليوم