بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الاستشهاد الرُوحي من أجل المسيح، يسبق الاستشهاد الجسدي، لذلك يقُول الرسُول: ونفسي ليست ثمينة عندي، مَن يضعف وأنا لا أضعف، مَن يعثر وأنا لا ألتهب؟ راجع (2كو5:10؛ 29:11)، فننفذ فكر ومشيئة الله، مُستأسرين كُل فكر إلى طاعة المسيح، والتسليم يبدأ بالعقل، ويجب أن تقتنع بعقلك أولاً، والإيمان لا يلغي العقل، والرّب قال: أحب الرّب إلهك من كُل عقلك، وفكرك، وقلبك، وقال القديس أوغسطينُوس: :"الإيمان يسبق العقل، والعقل يسبق الإيمان، وأني أؤمن لكي أتعقل.".
فكم من أناس يكنزُون لهُم كنوزاً، ولكنها مُباحة للخطف، يعتقدُون أنها مخزُونة جيداً، ولكن عدُو الخير سحبها منهُم بهدُوء الثعالب، وقذف بها خارج نطاق السماء، لهذا الكنيسة تُحذرنا من الحواس التي تتحلى بصورة التقوى ولكنها تنكر قوتها، فبنك السماء يحفظ ويدخر لنا كُل ما له جذور المحّبة بعيداً عن المظهرية، والعرج بين الطرق المُهلكة..
أن كنز العالم المكشُوف، السرّ الذي خلفه هُو العالم الزائل، فصاحبه اعتمد على أن يحتفظ به في بنك العالم غير المُؤمن عليه بل مفتاحه إبليس، والمُؤمن الذي أختبر العلاقة مع الرّب يصرخ قائلاً:
أحبك يارّب يا قوتي، إلهي صخرتي وحصني ومنقذي، إلهي صخرتي به احتمي، ترسي وقرن خلاصي وملجأي (مز18)..
أن أول عناصر الديانة الطاهرة وبرهان على أنها ديانة حقيقية هي: افتقاد اليتامى، والأرامل في ضيقتهُم، وبعد ذلك حفظ الإنسان نفسه من دنس هذا العالم، إذن المسيحية أبرزت هذه الفضيلة لتكون أمام المُؤمنين، لأنه ماذا يستفيد العالم من الإنسان إلا إذا كان مُتديناً بحقّ، واضحاً في معاملاته، وأعماله، ما هي قيمة الخير الذي نُنادي به إذا لم نعمله؟
إن مَن عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات (مت19:5)، مَن عمل أولاً وعلّم، وهذا ما قيل أيضاً عن مُخلّصنا، عندما ابتدأ بدأ يعمل أولاً ثُم يعلّم، فالعمل أولاً وبعد ذلك التعليم، لكي تزينوا تعليم مُخلّصنا الصالح، تزينوه، وكما قال أحدهم: إن التعليم إذا كان تعليماً بالكلام فهُو سفر طويل، أما التعليم بالمثال، فطريق سهل النمُوذج..
العمل هُو برهان تبعيتنا الصادقة للمسيح، واستحقاقنا لأن نحمل الاسم الكريم الذي أطلق به علينا، وبهذا يعرف الجميع أنكُم تلاميذي بأن يحب بعضكُم بعضاً، بهذا يعرف الجميع أنكُم تلاميذي..
هذا هُو البرهان للتلمذة والتبعية، بهذا يعرف الجميع ليس بالكلام، بل بأن يحب بعضكُم بعضاً، وما هي المحّبة الحقة؟!
إذا كان أخٌ أو أختٌ مُعتازين إلى القوت اليومي، فقلتُم لهما اذهبا واستدفئا ولم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة؟! (يع15:2)..
نحنُ لا نحب بالكلام واللسان بل بالعمل والحقّ (1يو18:3)، وإلا تكون ديانتنا كاذبة، ويكون تعليمنا كلاماً مرهقاً لا جدوى منه ولا غناء فيه، قيمة الكلام أن يرشد وأن يوجه للعمل، ولكن إذا لم يكن هُنا عمل فلا جدوى من هذا الكلام، يقول مُخلّصنا: ليس كُل مَن يقول يارّب يارّب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات..
إذن العمل أولاً، لهذا تبدأ الكنيسة في الصوم بأن تبين لأبنائها أن أول ما ينبغي أن تنبههم إليه فضيلة الرحمة التي تفتخر على الحكم، وقد تخيرت عبارة نُرددها في هذا الصوم الكبير بالذات وهي: طوبى للرحماء على المساكين..
هذا القرار نُردّده على الدوام، إلحاحاً من الكنيسة على أهمية الرحمة كفضيلة أساسية، ينبغي أن تتوفر أولاً قبل الصوم وقبل الصلاة، لأن الرحمة بها نصبح شبيهين بالله، الله رحيم ومَن يصنع الرحمة لهُو شبيه بالله، في الشفقة على الناس، وعلى الطبيعة، وحتى على الحيوانات، يصبح شبيهاً بالله في الشفقة على المظلومين وعلى المُجربين والمتعبين، ويُعطي أذناً صاغية لبكاء الباكين، ويشعر أن مهمته أن ينشر الخير..
نتشبه بالله في ذلك الأمر، الله هُو الخير، ومهمة الذين معه أن ينشرُوا الخير، وأن يبسطوا الرحمة، وأن ينشرُوا البرّ..
الله الذي يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين (مت45:5)، يصبح الإنسان شبيهاً بالله عندما يفعل الخير للجميع، ولاسيما أهل الإيمان، وأفراد الأسرة والعائلة، لأن مَن لا يكرم أهل بيته، فقد أنكر الإيمان، وصار شراً من غير المُؤمن.. (غلا10:6)..





