هند جاد
ما حدث فى كومباوند التجمع الخامس لم يكن «خناقة» عابرة. ولكنه امتحان. امتحان لهيبة الدولة، وتماسك المجتمع، وقدرتنا على التمييز بين القانون والفوضى، وبين الفعل ومروجى الفتن.

الاعتداء بدنياً أو لفظياً هو نوع من السقوط الأخلاقى قبل أن يكون جريمة مكتملة الأركان. ولا يوجد غضب يبرره، ولا مكانة اجتماعية تخفف من أثره. هذه قاعدة لا تستثنى. مَن يرفع يده على إنسان، أى إنسان، فهو يعتدى على فكرة العيش المشترك ذاتها. والعقاب الرادع ليس انتقاماً، بل هو صيانة لكرامة إنسانية.

وبناء عليه، يجب فهم المشهد. لا لتبريره، لأن الجرم لا يبرر، بل لتفكيك ما تراكم للوصول لهذه الجريمة. إن وجود صدامات سابقة، ومشاجرات مع فرد الأمن وجار فى المكان نفسه، يكشف خللا يجب التوقف عنده. مجتمعات جديدة محاطة بأسوار عالية، ولكنها تفتقر أحياناً إلى آليات راقية لحل النزاعات. الكومباوند ليس بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة. وإذا عجز سكانه عن إدارة خلافاتهم بالحوار واللوائح، فإن الفخامة المعمارية لا تصنع رقياً سلوكياً.

اللافت للانتباه ما ظهر على هامش تلك المشكلة، تسريب قذر وخبيث لموضوع ديانة المتهم. ومحاولة تصوير المشكلة كأنها اشتباك دينى. وروجت بوستات السوشيال ميديا لفكرة أن رجل أعمال مسيحى يعتدى على حارس يقرأ القرآن!.

لا أعرف تحديداً، ما علاقة الديانة بمخالفة القانون؟، وما صلة الإيمان بكرامة إنسان تعرض للضرب والإهانة؟. هذه ليست قراءة للواقع، بل صناعة فقاعة طائفية جدلية. فقاعة تترك حتى يتحول الأمر من جريمة فرد إلى شرارة فتنة طائفية سوداء.

القانون لا يسأل عن عقيدة المتهم ولا عن عقيدة المجنى عليه. القانون يسأل سؤالاً واحداً: هل وقع اعتداء؟، هل توافرت أركان الجريمة؟، ومَن يتحمل المسؤولية؟. وكل ما عدا ذلك ضجيج مقصود لإرباك ميزان العدالة.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعى دوراً حاسماً. خرجت الصور إلى العلن، والرأى العام تبلور وتعاطف، والضغط تصاعد. بل طالت حملات المقاطعة منتجات المصنع المملوك للمعتدى. قد نختلف حول فاعلية «العقوبات الشعبية»، ولكننا لا نستطيع إنكار أن المجتمع أصبح قادراً على محاسبة رمزية حين يشك فى بطء سير المحاسبة المؤسسية. ومع ذلك، ينبغى أن يظل الفاصل واضحاً، العدالة تنجز فى ساحات القضاء، وليس فى ساحات الترند. الدولة لا تدار بالهاشتاجات ولا بالمجاملات.

هناك بعد إنسانى مزعج. ربما يدفع حال المجنى عليه إلى التنازل مقابل تعويض مالى. لا أستطيع أن ألومه، فلكل إنسان ظروفه ومشكلاته. ولكننى أتمنى ألا نختزل الكرامة فى شيك. لأن القضية ليست فى فرد أمن فحسب، بل رسالة عامة لكل حارس وبواب وعامل، القانون يقف معك، وسلطة المال ليست أقوى من يد العدالة.

سرعة القبض على المتهم كانت لحظة فارقة. شعر الناس أن القانون يمكن أن يتحقق فى مواجهة قوة المال، وأن النفوذ والسيطرة لن يكونا مظلة أبدية. هذه السرعة هى حق المجتمع. وهى أيضاً قطع الطريق على خفافيش الظلام الذين يقتاتون على الشائعات.

من الآخر..

ما حدث ليس شأناً خاصاً داخل سور عال. إنها مرآة تكشف هشاشة ثقافة إدارة الخلاف، وسرعة الانجراف إلى استدعاء الهوية الدينية.

أنا القانون. ليس لى دين، وليس لى مكانة اجتماعية. ميزانى واحد. عدالتى لا تعرف اسماً، ولا لقباً ولا عقيدة، بل تعرف فعلاً وعقاباً رادعاً.
نقلا عن المصرى اليوم