القمص يوحنا نصيف
    تأخّرتُ لظروف خارجة عن إرادتي في الكتابة عن أبي الحبيب المتنيّح القمص تادرس عطيّة الله، الذي تفاجأنا جميعًا بالخبر الإليم عن انتقاله، وخصوصًا مع الظروف الغريبة لطريقة الانتقال. ولكنّها في كلّ الأحوال تتمّ بسماح من الله محبّ البشر، ونؤمن أنّه قادر أن يستخدمها للخير، ويعزّي الحزانى بالتعزيات السمائية. ومن جهة أخرى نقول دائمًا مع القدّيس بولس الرسول: "لي الحياة هي المسيح. والموت هو ربح" (في1: 21).

    بدأت بالتعرُّف على أبينا تادرس بعد سيامته كاهنًا في عام 1997م، وعلمتُ منه أنّ أخاه الذي يكبره بعام واحد هو الدكتور موريس عطيّة، صديقي وزميلي المحبوب، ودُفعَتي في الدراسة بكليّة الطبّ.

    ثمّ توطّدت علاقتي بقدس أبينا تادرس في الفترة التي كنت أخدم فيها كسكرتير لمجلس كهنة الإسكندريّة من أبريل 2007م إلى أكتوبر 2009م، قبل سفري للخدمة بالولايات المتّحدة الأمريكيّة. ففي تلك الفترة كان أبونا تادرس يحضر إلى مكتبي بالكنيسة المرقسيّة، ونتحدّث عن احتياجات الخدمة بالإسكندريّة، ونستأنس برأي بعضنا البعض.

    كان أبونا تادرس إنسانا بسيطًا وديعًا وبشوشًا جدًّا، فقد كُنّا نراه دائمًا وعلى وجهه ابتسامة مُشرِقة عريضة. وكان يحمل قلبًا غيورًا على الخدمة ونموّها، ويؤازر بالتشجيع والمساندة جميع مَن يلتقي بهم دون استثناء، فكان ذا قلب محبّ للجميع، ولسانه يقطر شهدًا، بكلمات الودّ والتشجيع.. كما كان يحمل في ذهنه أحلامًا واشتياقات كبيرة لنمو وانتشار الخدمة.

    من أهم الصفّات التي تميّز أبونا بها، حبّه للقراءة والتعلُّم؛ فقد كان مثل النحلة النشيطة التي تنتقل من زهرة لزهرة، تجمع الرحيق وتصنع العسل الحلو المذاق.. فكان أبونا تادرس يقرأ ويجمع من الكتب الكثيرة مقتطفات من التعاليم الجميلة، وينشرها في كتيبات لطيفة، سهلة الهضم لكافّة نوعيّات القُرّاء.. كما تميّزت كتبه بالسلاسة والتنوّع في موضوعاتها، والاهتمام بالجوانب العمليّة السلوكيّة التي يحتاجها الإنسان المسيحي لكي يعيش سعيدًا وناجحًا.

    في عام 2008م طلب مِنّي أبونا تادرس مراجعة وتقديم أحد الكتب التي أعدّها لتوعية الشباب من مخاطر "الزواج العُرفي"، والذي كان قد بدأ في تلك الآوِنة يظهر وكأنّه طريقٌ ممكنٌ لزواجٍ شرعيّ، في ظلّ الظروف المعيشيّة الصعبة وتأخُّر سِنّ الزواج. وبالطبع كانت بركة لي أن أقرأ الكتاب وأستفيد منه!

    كان أبونا تادرس يكنّ محبّة خاصّة لقداسة المتنيّح البابا شنودة الثالث، وكان البابا شنودة يشعر بهذا الحُبّ ويُقدِّره جِدًّا.. وأتذكّر أنّه بعد أن ظهرت مشكلة الفشل الكلوي لدى قداسته، وبدأ يقوم بعمليّة الغسيل بالكُلى الصناعيّة في يوليو 2007م، تأثّر أبونا تادرس جدًّا، وعندما التقى بالبابا عرض عليه بكلّ بساطة وجديّة كاملة أنّه مستعد لإهدائه إحدى كليتيه.. فما كان من البابا إلاّ أن تأثّر جدًّا بمحبّته، ولكنّه شكره مُعتذِرًا عن قبول هذا العرض، موَضِّحًا له أنّ سِنّه الحالي المتقدّم لا يسمح بإجراء مثل هذه العمليّة!

    على الرغم من ابتعادي بالجسد عن مصر منذ عام 2009م، إلاّ أنّ تواصلي مع أبينا تادرس لم ينقطع، وكُنّا نتبادل رسائل المودّة والمعايدات.. وكانت آخِر مراسلاتنا هي رسالتي لتعزيته في نياحة أخيه ناصر، قبل نياحة أبينا بأربعين يومًا تقريبًا، وقد ردّ عليّ شاكرًا، وملتمسًا الصلاة من أجل تعزية الأسرة.

    طوباك يا أبانا الحبيب القمص تادرس.. فقد كُنتَ شجرةً محمّلة بالعديد من الثمار الحلوة، ونَحلة نشيطة جمعَتْ لنا كميّة ضخمة من عسل التعاليم الروحيّة؛ مالئًا مصباحك بزيت المحبّة مِثل العذراى الحكيمات، اللواتي استحققن الدخول إلى العُرس مع المسيح عريسنا الأوحَد، صاحب الملكوت الأبدي المُفرِح والمجيد.

    نياحًا لروحك الطاهرة في فردوس النعيم، وعزاء سمائيًّا للأسرة الغالية ولكلّ شعبك ومحبّيك،،

القمص يوحنا نصيف
فبراير 2026م