الأنبا إرميا
تَحدثنا فى المقالة السَّابقة عن حُكم «سيف الدِّين قلاوون»، الذى قام بِحَصْرِ السُّلطَةِ فى بيتِه، ففى عام ٦٧٩هـ (١٢٨٠م)، أقامَ ابنَه «علاء الدين على» وليًّا للعَهدِ، وقد حَكَمَ قُرَابَة ثمانى سنواتٍ، وتُوفِّى فى حياةِ أبيه «السلطان قلاوون»، ثم قام «السُّلطان قلاوون» بتوليةِ ابنِه الثانى «خليل» ولاية العَهد ولُقِّبَ بـ«المَلكِ الأشرف». كما تحدّثنا عن دُور «السلطان قلاوون» تجاه طائفة «المماليك الجراكسة» ورعايتهم، والإشراف على تدريباتهم العسكرية، كما قام بتعيينهم فى الوظائف المرموقة بالدولة، وسكنوا فى أَبرَاج القَلعةِ.
أيضًا تحدثنا عن عَلَاقَاتِ «السلطان قلاوون» الجيّدة ببلادِ الحجاز واليَمن، ومغول القبجاق، بينما اتسمت العلاقات مع النُّوبَة بالتوتر.. فقد قامَ سيمامون، مَلِك دنقلة بالتَّوقُّف عن دَفْعِ الجِزية استعدادًا للاستقلال ببلادِه عن الحُكمِ المملوكى، ووَقَعَ فى تلك الأثناء خِلَافٌ بين «سيمامون» و«آدور»، مَلِك مملكة الأبواب، اللذين احتَكَمَا إلى السُّلطان قلاوون. ويَذكُرُ محمد سهيل طقّوش فى كِتابِه «تاريخ المماليك فى مصر وبلاد الشام»؛ أنَّ السلطان تَبين له اعتداء الملك سيمامون، فقرر السلطان إعادة إخضاع بلاد النُّوبة مَرة أُخرى، فقامَ بإرسال جَيش إلى بلادِ النُّوبة عام ٦٨٦هـ (١٢٨٧م)؛ تَمَكَّنَ جيشُ المماليك من الوصُولِ إلى دنقلة بعد الانتصار على جيش سيمامون، الذى تمكَّن من الهرب.
قام المماليك بترتِيب أمور بلاد النوبة العسكرية، وأقاموا «أيدمر»، ابن أُخت سيمامون، حاكِمًا على البلاد، وتَرَكُوا حَاميةً عسكريّةً بها، إلا أنَّ مَلِكَ النوبة الفَارَّ «سيمامون» تمكَّنَ من إعادةِ ترتيبِ صُفوفِ جُنودِه ليتمكَّنَ من الانتصارِ على الحَاميةِ واستعادةِ النوبةِ، وقد فَرَّ كُلٌّ مِن الملِكِ الجَديدِ ونائبِه مع مَن تبقَّى من أفرادِ الحَاميةِ العسكريةِ إلى مصر.
قرَّرَ السُّلطانُ قلاوون أن يُرسِلَ جيشًا كبيرًا إلى بلادِ النوبة عام ٦٨٨هـ (١٢٨٩م)، وفَرَّ سيمامون مرةً ثانيةً بعدَ أنْ وصلتْهُ أخبارُ زَحفِ الجَيشِ المملوكى تِجاه بلادِه؛ ثم أعادَ ترتيب صُفوفِه وأغارَ مرةً أخرى على دنقلة. ويذكر محمد سهيل: «ويبدو أنَّ سيمامون أعادَ تَجميعِ قُوَّاتِه، وأغارَ مرةً أخرى على دنقلة بعد رَحيلِ الجيشِ المملوكى، وتمكَّنَ مِن قَتْلِ المَلِكِ ونائبِه جريس، واستعادَ مُلْكَه وكتبَ إلى السُّلطانِ قلاوون يطلبُ العَفوَ ويَتَعهَّدُ بِدَفْعِ الجِزيّة»؛ وقد قَبِلَ السلطانُ قلاوون طَلَبَه، وعفا عنه وأقرَّه مَلِكًا على بلادِ النوبة.
أما عن عَلَاقةِ السُّلطانِ قلاوون مع الفِرِنج، فقد جَنَحَتْ أوَّلًا إلى السِّلْمِ؛ بسببِ انشغالِ السلطان قلاوون بتوتراتِ الأوضاعِ الداخليةِ والخارجيةِ مع المَغُول، بينما عانى الفِرِنجُ من الصِّراعاتِ الداخليةِ؛ وبذلك تَجَدَّدَت اتفاقيةُ الهُدنةِ مع الفُرسَانِ الإسبتَاريَّة، كما عُقِدَت اتفاقيةُ هُدنَة مع حكومةِ عكّا وصيدا وعثليت مُدَّة عشَر سنواتٍ وعشْرَةَ أشهرٍ وعشْرة أيامٍ. وعَقَدَ السلطانُ اتفاقيةَ هُدنة مع «بوهيموند السابع»، أمير طرابلس عام ٦٨٠هـ (١٢٨١م)، لمدةِ عشَرِ سَنواتٍ.
وفى عام ٦٨٤هـ (١٢٨٥م)، تمكَّنَ السلطانُ قلاوون من الاستيلاءِ على حِصْنِ المَرقَبِ الكَبيرِ واستعادتِه. ويذكر ابنُ تغرى بردى فى مؤلَّفِه «النجوم الزَّاهِرة فى ملوك مصر والقاهرة» عن الحصن: «والمرقب هو من الحُصُونِ المشهورةِ بالمِنعَةِ والحَصَانةِ، وهو كبيرٌ جدًّا، ولم يفتحه السلطانُ صلاح الدين يوسف بن أيوب فيما فَتَحَ، فأبقاه السلطانُ الملك المنصور بعد أنْ أُشِيرَ عليه بهَدمِه، ورَمَّمَ شعثَه واستنابَ فيه بعضَ أُمرائه ورَتَّبَ أحوالَه...». تحرَّكَ السلطانُ قلاوون من المَرقب إلى دِمشق، ومنها إلى مصر. وفى عام ٦٨٦هـ (١٢٨٧م) أرسلَ السُّلطانُ قلاوون حملةً عسكريةً للاستيلاءِ على بُرجِ اللاذقية، وتمكَّنَ له ذلك.. ثم فى عام ٦٨٨هـ (١٢٨٩م) اتَّجَهَ الجيشُ المَملُوكى إلى طرابلس، وتمكَّنَ من المدينةِ بعد حِصَارِها وإِحداثِ ثَغرةٍ بِسُورِها. وبينما كان السلطان قلاوون يَستعدُّ للتَّوَجُّهِ إلى عكا، تُوفِّى فجأةً عام ٦٨٩هـ (١٢٩٠م). أمَّا عن عَلَاقةِ السلطانِ مع مَغُولِ فارس، فكانَت عَلَاقةً عدائيةً.
و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهى!
* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى
نقلا عن المصرى اليوم





