سمير مرقص
(١) «سهام (روبن هود) على غلاف
مجلة إيكونوميست»
تناولت دورية إيكونوميست البريطانية/ الدولية مسألة فرض الضرائب على الأغنياء من أجل سد الفجوة الهائلة- المتضاعفة- بين القلة الثرية والكثرة الفقيرة. وحول هذا الموضوع فتحت دورية إيكونوميست حوارًا مهمًا للغاية تحت عنوان: «دولة (روبن هود)-Robin Hood State»، وعن مضمون ما جاء فى دورية إيكونوميست من أفكار وآراء وإحصائيات، نذكر القارئ الكريم بمن هو «روبن هود». «روبن هود» هو بطل شعبى إنجليزى يقال إنه عاش فى القرن الثانى عشر الميلادى فى زمن شهد صراعًا مركبًا بين النورمانديين الوافدين من شمال أوروبا إلى إنجلترا، حيث حلوا محل الطبقة الحاكمة الأنجلوساكسون وعملوا على الاستيلاء على الأرض والحلول محل النخبة الإنجليزية الساكسونية: الأرستقراطية/ الإقطاعية، فما كان من «روبن هود» إلا أن عاش وسط الفقراء والمتضررين. وصارت الغابة نقطة انطلاق، ومعه فريق، لغاراته التى استهدفت أخذ ما لدى الأثرياء لتعويض المظلومين من مال وطعام. وكان «روبن هود» فارسًا مغوارًا ماهرًا فى رمى السهام بسرعة ودقة. لذا ليس صدفة أن يأتى غلاف إيكونوميست ليعبر عما سبق من خلال «موتيفة» ذكية كما يلى: محفظة مالية تكتظ بالدولارات واقعة أرضًا تخترقها سهام عديدة فى كل مكان. والمعنى الذى أرادته إيكونوميست هو أن السياسات الحالية المالية الراهنة فى أمريكا وفى بعض دول أوروبا أشبه بـ«روبن هود» الذى يأخذ من الأغنياء ليعطى الفقراء.
(٢) «الروبنهودية المعاصرة»
بداية، أقر المحرر الرئيس لـ«إيكونوميست» فى افتتاحية العدد بتداعيات ظاهرتى: أولًا: «الثراء المفرط»، وثانيًا: الفقر المتفاقم؛ إذ جاء فيها ما نصه: «يستحوذ أعلى ١٪ فى أمريكا على خُمس دخل الاقتصاد، ويدفعون قرابة ثلث الضرائب الفيدرالية». وأن كثيرًا من الساسة فى أمريكا وأوروبا يرون أنه «ينبغى أن يدفعوا (الأغنياء) أكثر بكثير». واقترح البعض فرض زيادة نسبتها «٢٪ على الدخول التى تتجاوز مليون دولار». وذكر المحرر أن «ولايات فرجينيا ورود آيلاند وواشنطن تدرس اتخاذ إجراءات مماثلة؛ وإنه من المرجح أن يصوّت سكان كاليفورنيا هذا العام على رسم، لمرة واحدة، بنسبة ٥٪ على ثروات المليارديرات». كما أشار الكاتب إلى أنه فى أوروبا أيضًا «يتصاعد الضغط الشعبى من أجل استهداف الأثرياء. فقد شهدت فرنسا حملة شعبية لإعادة فرض ضريبة على الثروة wealth tax. ومع إضعاف مركز السير كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطانى، ومصيره المحتمل لترك منصبه، فإن الجناح اليسارى فى حزب العمال البريطانى قد يمضى نحو تطبيق ضريبة مماثلة». إضافة إلى الإقرار بالفجوة بين الأغنياء والفقراء. رسم المحرر الأول لـ«إيكونوميست» صورة للواقع الاقتصادى الراهن، خلاصتها أن: «حكومات العالم المتقدم تعانى ضيقًا ماليًا، والميزانيات مثقلة بديون متراكمة، وسكان يتقدمون فى العمر»، ويواكب ذلك حاجة ما «إلى زيادة الإنفاق الدفاعى». أدى هذا الواقع إلى تنامى القلق لدى الكثيرين بفعل «التضخم المتزايد الذى أصابهم بالإنهاك» منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحالى. وقد فاقم هذا الإنهاك من الاحساس بأن «اللامساواة قد باتت عالية جدًا». وبالرغم من الصورة الصعبة التى رسمها محرر إيكونوميست للواقع الاقتصادى فى الغرب إلا أنه أبدى تحفظًا على التوجه الذى بات موضع نقاش فى كثير من دوائر السياسة والاقتصاد الغربية، الأمريكية والأوروبية، الذى يميل إلى فرض ضرائب على الأكثر ثراء لتضييق التفاوتات، ومن ثم تحقيق العدالة المجتمعية بدرجة أو أخرى. وتخلص افتتاحية إيكونوميست إلى أن هذا الوجه لن يحقق المراد منه، وإن من سيستدعى المنظومة الضريبية على الأكثر ثراء فى الأغلب الحكومات ذات التوجه اليسارى (تجاوزًا بطبيعة الحال) انطلاقًا من فكرة «روبن هود الكامن فيها».
(٣) «الدولة العادلة ضرورة»
تضمن عدد إيكونوميست الأخير، إضافة إلى الافتتاحية، مقالين آخرين حول العنوان الرئيس للعدد: «دولة روبن هود»، حيث يستعرض المقال الأول: الأنظمة الضرائبية التقدمية وعلاقتها بالعدالة التوزيعية، ويطرح المقال الثانى سؤالًا يحاول الإجابة عليه مفاده: هل دولة الرفاه الأمريكية تمكنت من تقليل الفقر حقًا؟ المقالان يتراوحان بين الاعتراف بمزايا الرفاه (منذ أيام جونسون) وبرامج الرعاية الحكومية- أو دولة «روبن هود» التى تأخذ من الأغنياء لصالح الفقراء- ولكنها فى نفس الوقت تثمن اقتصاد السوق الحرة. إن هذا التراوح بقدر ما يحاول الطمأنة إلا أنه لا يحول دون استشراء القلق. الخلاصة، العنوان المثير الذى طرحته إيكونوميست: «دولة روبن هود» والمقاربات الثلاث التى قاربته؛ قد فتح مجالًا لنقاش جدى حقيقى حول: دور الدولة فى زمن اللامساواة، وجدوى الأنظمة الضرائبية عمومًا، والضرائب الخاصة بالأثرياء خصوصًا، وإعادة النظر فى طبيعة العلاقة بين السوق والعدالة، وبين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، وبالرغم من التحفظ على الضريبة المتصاعدة للأكثر غنى، إلا أن استعادة اسم «روبن هود» اليوم تعبر عن إدراك متزايد بأن المسألة الاجتماعية عادت إلى صدارة النقاش السياسى العالمى. فبعد عقود من التركيز على تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة، أظهرت الأزمات: الاقتصادية/ المالية المتكررة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضى وحتى يومنا هذا، مدى هشاشة الكثير من القطاعات الصحية والتعليمية والتأمينية... إلخ، وعدم توفرها للكثرة المواطنية مقارنة بالأكثر ثراء. كذلك إخفاق وعد النمو الاقتصادى من توفير الرخاء وتعثر العدالة التوزيعية. وبعيدًا عن العنوان المثير لـ«إيكونوميست» إلا أن المسؤولية التاريخية تستوجب إدراك أن التقدم فى الذكاء الاصطناعى، واحتكار الثروات، وتزايد القلة الثروية (أو ما أطلقنا عليه الأوليجاركية الجديدة) سوف يؤدى إلى تركز الدخول فى القمة، لذا تصبح هناك حاجة إلى تفكير جديد فيما يتعلق بالنظام الضريبى والبرامج الرعائية التى يميل الكثيرون ألا تكون نقدية حتى تصبح الدولة التوزيعية العادلة حقيقة.
نقلا عن المصرى اليوم





