حمدي رزق
مقطع فيديو يغبط القلب أنعش يوتيوب، على هامش دورة كروية رمضانية بالمنوفية، كانت هناك فقرة راقية، مباراة فى ضربات الجزاء بين شيخ أزهرى معمم وقسيس يحرس المرمى، الشيخ الوقور بنظارته الطبية، بتؤدة، يتقدم، يموّه، يسدد الكرة بمهارة، يصوب نحو الزاوية اليمنى، والقسيس اليقظ يرتدى ثوب الإجادة الأسود، ويلتقط الكرة بمهارة، ويرتمى بها على الأرض بمرونة فائقة متدحرجًا، «ولا عصام الحضرى»، حسب هتاف أحد المشجعين..

يسعدك تفاعل الجمهور مع اللعبة الحلوة، حالة فرحة غامرة يعبرون عنها بعفوية، لطيف معلق اللقاء، تلقائى، مغتبط بشدة، لم يمرر اللقطة عطفًا على حديث «الوحدة الوطنية الكروية»، ويصف القسيس بحارس مرمى عالمى، إيه الحلاوة دى.

أقسم غير حانث لا يفعلها سوى المصريين، ولا تصدر من غيرهم، المصريون يأتون عجبًا، فى توادهم وتراحمهم وغبطتهم وسرورهم، شعب مالهوش كتالوج.

تخيل من الخيال المحلق، مولانا يسدد الكرة وأبونا يصدها، والجماهير على آهة واحدة، تحيا الوحدة الوطنية الكروية.

المصريون غيظون، يغيظون من فى قلبه مرض، مثل هذه الصورة تمحق الفتنة، وتسلسل الشياطين، وتهشّ طيور الظلام من على شواش الذرة خضراء فى الحقول الطيبة.

نموذج ومثال على فقه المواطنة الشعبية الذى يقتاته المصريون لجرح صيامهم مع ماء النيل وتمرات البلح الإبريمى.. وإن تعدوا صور الوحدة الوطنية لا تحصوها.

ذكرنى المقطع بفريق وزارة الأوقاف الكروى، وكانت له صولات وجولات كروية، ليست مُزحة، ولكنها حقيقية، فريق وزارة الأوقاف الكروى تصدر ذات مرة دورى الوزارات، وكافأهم وزير الأوقاف السابق الدكتور مختار جمعة بمكافأة ألف جنيه لكل لاعب من فريق كرة القدم بالأوقاف لتصدر مجموعتهم فى دورى الوزارات.


لا أعرف مصير هذا الفريق الآن، هل لا يزالون يركضون وراء الساحرة المستديرة، ليست هناك أخبار عن دورى الوزارات، وهذا يتطلب بيانًا من العلامة أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف.. وأظنه مشجعًا كرويًا كبيرًا.. وهنا يصح السؤال: أهلاوى ولا زملكاوى.. من لون عمامته الصاعدة لأعلى تخمن الإجابة!

المشهد فى الفيديو، يغير الصورة النمطية للمشايخ والقسس، يدمجهم فى المجتمع، ويعيد رسمهم كأفراد طبيعيين فى مجتمع طبيعى، ويكسر عزلتهم عن أقرانهم، ويشجعهم على الترويح والمنافسة الشريفة فى الملعب.

الصورة فى الفيديو تصدم بعض المراجع الفقهية، كرة القدم عند البعض من قبيل اللهو المكروه بعامة، والمحرم إذا هى شغلت عن الصلاة. وعندما سُئل (ابن باز)، عن لعب كرة القدم، قال: «فالظاهر من حالها الآن أنها محرمة وأنها منكرة لا يجوز تعاطيها أبدًا؛ لأنها صدّتهم عن ذكر الله وعن الصلاة، بسبب هذا العمل السيئ، ثم ماذا؟ وما قيمة هذه الكرة؟! أى قيمة لها؟!».

مولانا شيخ الأزهر الدكتور الطيب، كان حصيفًا، وتحتفظ صفحات أزهرية بفيديو للإمام، وهو يتحدث عن رأيه فى كرة القدم. وعبّر شيخ الأزهر، فى الفيديو، عن عدم اهتمامه أو معرفته بكرة القدم، كان حاذقًا قائلًا: «أنا لست كرويًا».

أسمع فى الجوار حوارات، يا صاح، انظر إلى هذا الشيخ إنه يركل الكرة جيدًا نحو المرمى، لله درّك شيخنا.. والقسيس يصد الكرة، يرفع أجنحته كالنسور.

أتخيل مثل هذه الحوارات اللطيفة باللغة العربية الفصحى فى المدرجات، وفريق المشايخ يباغت دفاعات فريق القسس، لا تتخيل أنها حقيقة فى المنوفية بلد الأكابر.
نقلا عن المصرى اليوم