خالد منتصر
هل كل ما يحدث فى الواقع من الممكن ترجمته لعمل فنى؟، وهل نغفر مبالغات الدراما، بحجة وتحت شعار أنه قد حدث فى الحياة، وأن جارتنا حصل لها كده بالضبط... إلخ؟، سألت تلك الأسئلة لنفسى لأننى عندما كتبت منتقدًا «الأفورة» الميلودرامية الفجة فى أحد المسلسلات، كان الرد الجاهز: «على فكرة دى قصة حقيقية»، فهل الواقع شهادة ضمان، وشيك جاهز على الصرف؟، وهل مجرد حدوث الشىء فى الحياة يمنحه تلقائيًا حق المرور إلى الشاشة كما هو، وهل الدراما «كوبى بيست» من الواقع؟.
وكل مهمة السيناريست والمخرج ما هى إلا نقل تلك الحقيقة إلى الاستوديوهات، ليؤديها ممثلون فى اللوكيشن، بدلًا من البشر الحقيقيين فى الشارع، المسألة مختلفة تمامًا، وللأسف ولأننا فى زمن مناقشة البديهيات التى كنا نحسبها مستقرة، نضطر إلى تعريف المصطلحات من أول وجديد، الفن يا سادة ليس الفيديو الذى تصوره بموبايلك للتوثيق، والدراما ليست محضرًا فى قسم البوليس، سين وجيم، الواقع ما هو إلا مادة خام للتصنيع، لكنه ليس المنتج النهائى الذى سيقدم للجمهور، الواقع بطبيعته فوضوى، بلا إيقاع، فيه أزمنة ميتة وخرساء.
وتفاصيل زائدة ونتوءات، وصدف غير مبررة، ونهايات مفتوحة بلا معنى، أما الدراما فهى بناء فيه اختيار، حذف، تكثيف، ترتيب، إيقاع، حين يتحول الحدث الواقعى إلى عمل فنى، لا يُطلب من الفنان أن ينقله حرفيًا، بل أن يعيد خلقه، أن يستخلص جوهره، لا أن يعرض تقريرًا عنه، كما النحات لا يقدم قطعة حجر إلى الجمهور، بل يعيد تشكيلها ونحتها فتنطق فنًا، كذلك الدراما، هى لا تنسخ الواقع، ولكنها تعيد طبخه وتشكيله، فالسينما ليست نشرة أخبار التاسعة، والمسرح مختلف عن قاعة محكمة الأسرة، والرواية غير السجل المدنى والشهر العقارى، لابد أن نفهم أن حدوث الشىء لا يجعله دراميًا بالضرورة، فقد يحدث فى الواقع أن يموت شخص وهو يتحدث معك فجأة بلا مقدمات، وينجو مذنب من العقاب بلا تفسير.
وتشتعل نار معركة رهيبة بعد مكالمة هاتفية صدفة... إلخ، كل ذلك ممكن فى الواقع، لكن حين يحدث هذا فى عمل درامى بلا تمهيد أو بناء، يبدو ضعيفًا، مرتجلًا، غير مقنع، وغير منطقى، عجينة الواقع لا تصلح رغيفًا إلا بخميرة الفن، بدون تلك الخميرة هى عجينة لا قيمة لها، هناك مقولة أراها غير دقيقة، وهى أن الفن مرآة للمجتمع، الأكثر دقة هى أن الفن عدسة، فالمرآة تعكس الشىء كما هو، أما العدسة فتختار زاوية، وتحدد مسافة، وتضبط الضوء، الواقع هو صورتك الفوتوغرافية فى البطاقة الشخصية ورخصة المرور، أما صورتك الفنية فهى البورتريه الذى يرسمه لك صلاح طاهر أو بيكار، إذا حدثت مأساة.
فإن الفنان لا يحكيها بطريقة نميمة الجيران، بل يسأل: ما معناها؟، ما أثرها الإنسانى؟، ما الصراع الكامن داخلها؟، كيف يمكن أن يفهمها المتلقى ويشعر بها؟، الواقع ممكن أن تكون مأساته قاسية لكنها بليدة فنيًا، وتحتاج لتزيل عنها صدأ تلك البلادة، إيقاعًا، وتصاعدًا، وذروة، وانفراجًا، أو نهاية مفتوحة، وعدم انفراج، لابد أن نعرف أن هناك فرقًا كبيرًا بين الصدق الحرفى وهو أن تنقل التفاصيل كما هى، والصدق الفنى وهو أن تنقل الإحساس والمعنى، حتى لو غيرت وأضفت وحذفت بعض التفاصيل.
الصدق الفنى هو قبلة الحياة، أو شرارة صدمة القلب الكهربية التى تعيد الحياة لواقع مشرف على الموت والنسيان، الفن يمنحه الخلود، المأساة التى يقول صناع أى عمل مبالغ إنهم اقتبسوها من الحياة، قد تكون عبثية وبلا منطق، المأساة فى الفن تحتاج بناء صارم، حتى ما يطلق عليه مسرح العبث يحتاج إلى مثل هذا البناء، عندما كتب William Shakespeare مآسيه، لم يكن يسجل وقائع تاريخية كما حدثت، بل كان يعيد تشكيلها لتصبح صراعًا إنسانيًا كونيًا يصلح لكل زمان ومكان، وعندما صاغ Fyodor Dostoevsky معاناته فى الرواية، لم يكن ينسخ فترة سجنه.
بل يحوّل تلك المعاناة إلى سؤال فلسفى عن الحرية والذنب، بالفن، ومن خلال إبداع الفن، التوثيق شىء والإبداع شىء آخر، الفن ليس أرشيف سجلات، العمل الفنى لا يقاس ولا يُحاكم بسؤال: هل حدث هذا بالضبط كما ورد فى الأوراق والشهادات؟، بل بسؤال هل شعرت كمشاهد أو متلقٍ بأن ما تراه حقيقى؟، هل لمسك بجد؟، الواقع قد يحتمل التكرار والرتابة، لكن الفن الحقيقى يخاصم تلك الرتابة، الدراما اقتصاد فى السرد، وتكثيف للزمن.
وتركيز على اللحظة المفصلية، الفن إعادة ترتيب للفوضى، وكما قيل فى فلسفة الفن، إن الوظيفة الأعمق للفن ليست أن يقول لنا إن العالم قاسٍ، فنحن نعرف ذلك، بل أن يمنح القسوة شكلًا يمكن احتماله، الدراما ليست نسخة من الحياة، بل هى تأويل للحياة، ليست نقلًا فوتوغرافيًا، بل هى تشكيل فنى، وعندما نسمع هذا المبرر المريح، وتلك الفزاعة الملجمة «ده بيحصل فى الواقع يا أستاذ»، فلتتذكر دائمًا أن السؤال الأهم للفن ليس هو: هل حدث ما أراه بالضبط؟، بل السؤال: هل تحوّل ما حدث إلى فن؟.
نقلا عن المصرى اليوم





