ماجد سوس
هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام نفسه بهدوء، لا ليدين، بل ليفهم. لحظات يسأل فيها القلب: كيف نحيا إيماننا؟ كيف نقترب من الله حقًا؟ كيف تتحول عبادتنا من مجرد ممارسة إلى لقاء، ومن عادة إلى حياة؟

الطقوس هدية ثمينة. هي لغة مقدسة، وجسر ممتد عبر الزمن، وذاكرة حيّة تحفظ لنا رائحة الحضور الإلهي. في كل حركة، في كل لحن، في كل صلاة، كنز روحي عميق. لكن جمال الطقس لا يكتمل إلا عندما يصبح نافذة، لا إطارًا؛ طريقًا، لا محطة أخيرة. الطقس ليس غاية، بل دعوة للدخول. ليس شكلاً، بل لقاء.

عندما نقف أمام المذبح، لسنا مجرد واقفين في مكان مقدس، بل واقفين في حضرة محبة لا نهائية. لسنا نكرر كلمات، بل نفتح قلوبًا. لسنا نؤدي واجبًا، بل نبدأ رحلة. رحلة يدخل فيها الإنسان إلى يد الله، فيحمله برفق، ويقوده عبر قصة خلاصه، ويُعيد ترتيب الداخل، ويمنح الروح سلامًا لا يُشترى.

العبادة الحقيقية لا تنتهي عند أبواب الكنيسة، بل تبدأ منها. ما نختبره في الصلاة يجب أن يمتد إلى الحياة، وما نلمسه في القداس يجب أن يظهر في التعامل، وما نتقبله من نعمة يجب أن يتحول إلى رحمة. فالله الذي نلتقيه في الطقس هو نفسه الذي ينتظرنا في الإنسان.

كم يبدو المشهد مختلفًا عندما ننظر هكذا: المذبح ليس بعيدًا عن المتألم، والصلاة ليست منفصلة عن الرحمة، والتسبيح ليس غريبًا عن المحبة العملية.

ليس السؤال: هل نحافظ على الطقس؟ بل: كيف نحيا الطقس؟ كيف نجعل كل صلاة يقظة قلب، وكل لحن حركة روح، وكل سجود تسليمًا حقيقيًا؟ أن نحيا الطقس يعني أن ندخل إليه بكل كياننا. أن نصلي بوعي، لا بتسرع. أن نصغي، لا أن نعتاد. أن نطلب حضور الله، لا مجرد إنهاء الصلاة. أن نسمح للكلمة أن تلمسنا، وللنعمة أن تغيّرنا، وللمحبة أن تُلين ما قسا في الداخل.

أن نحيا بالروح لا يعني ترك الشكل، بل ملء الشكل بالحياة. لا يعني رفض التقليد، بل اكتشاف عمقه. لا يعني التقليل من المقدس، بل العبور منه إلى ما هو أعمق: علاقة حيّة مع المسيح.

أيها الأحباء، الله لا يبحث عن أداء متقن بقدر ما يفرح بقلب مفتوح. لا ينظر إلى كثرة الكلمات بقدر ما يصغي إلى صدق الاشتياق. ما يريده هو إنسان حيّ من الداخل، إيمان يتحرك، ومحبة تُترجم، ورحمة تصبح أسلوب حياة.

فلنمنح عبادتنا انتباهًا جديدًا. فلنقترب بوعي، لا بعادة. فلنصلِّ بحضور، لا بشرود. فلنجعل الطقس لقاءً، لا تكرارًا. ولنسأل أنفسنا بهدوء: هل أخرج من الصلاة متغيرًا؟ هل يزداد قلبي اتساعًا؟

هل تصبح محبتي أعمق؟
لنعد دائمًا إلى الجوهر: إلى القلب، إلى الرحمة، إلى العلاقة الحيّة مع الله. هناك، فقط هناك، يلتقي المذبح بالحياة، وتصبح العبادة نورًا، ويصير الإيمان فرحًا حيًا.

أسأل الله أن يمنحنا قلوبًا يقظة، وأرواحًا مشتعلة، وإيمانًا حيًا يجعل كل طقس رحلة لقاء، وكل صلاة مساحة حب، وكل يوم امتدادًا لحضوره.