بقلم الأب يسطس الأورشليمى
نعم لا تهرب من مواجهة فشلك وشدائدك وذلك بالارتماء في ملذات العالم والاستسلام لخطايا النجاسة أو الإدمان أو علاقة عاطفية لا يُباركها الرّب ولا تُغطي إحساسك العميق بالفراغ، بأن تتمادى في التباهي والمنظرة بالممتلكات والإنجازات التي حققتها في حياتك..
 
تأمل في حياة سُليمان الذي كان ملكاً عظيماً، وقد جرب كُل شيء حتى قال: مهما اشتهيته عيناي لم أمسكه عنهما، وكان خلاصة تجاربه أن قال: باطل الأباطيل الكُل باطل وقبض الريح (جا2:1؛ 10:2)..
 
 وكلمة: باطل في الأصل العبري تعني الفراغ..
 
عُرياناً خرجت من بطن أمي، وعُرياناً أعُود إلى هُناك، الرّب أعطى والرّب أخذ، فليكُن اسم الرّب مُباركاً (أي21:1)..
 
لقد استخدم الرُوح القدُس سُليمان في كتابة هذين السفرين المتتالين وهما سفر الجامعة وسفر نشيد الأنشاد لحكمة مُعينة، ففي سفر الجامعة يقُول لك أن التمتع بملذات العالم والنجاح الأرضي والتباهي والسُلطة والعظمة كُل هذا أقل من أن يملأ فراغ قلب الإنسان، أما سفر نشيد الأنشاد فيُقدم لك العلاج ويُشير إلى الرّب يسُوع وحده، فهُو الوحيد الذي يقدر أن يملأ القلب كُل مَن يشرب من هذا الماء (ملذات العالم) يعطش أيضاً، ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبُوع ماءٍ ينبع إلى حياة أبدية (لو34:7؛ يو13:4)..
 
فالعالم لن يُعطيك سوى ارتواء مُؤقتاً خادعاً، ارتواء يزيد فيك العطش والإحساس بالفراغ، أما الرّب فيأتي إليك، ويملأ قلبك ويُزيل منه الظمأ، فهُو أتى ليُصادق الخطاة، وقال: لذاتي مع بني آدم..
 
الرّب أحب الخطاة والعشارين وصادقهُم ليحولهُم من فُجار إلى قديسين، لأن دم يسُوع يُطهر من كُل خطية (1يو7:1)، فهو يُريد أن يكُون صديقاً لك ليغسلك من آثامك، ويُمتعك بشخصه وكلماته الحلوة، فتشبع وتمتلىء به فلا تجوع مرة أخرى للخطية وإلى خرنُوب الخنازير..
سراج الجسد هُو العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كُله يكون نيراً، وإن كانت عينك شرّيرة فجسدك كُله يكُون مُظلماً، فإن كان النُور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون! لا يقدر أحدٌ أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويُحب الآخر، أو يُلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرُون أن تخدمُوا الله والمال، راجع الكتاب (مت22:6-24)..
 
الأعمال الحسنة المُرضية في عين الله هي في ذاتها تمجد الله، لذلك يقُول الرّب: فليُضيء نُوركُم هكذا قدام النّاس، لكي يرُوا أعمالكُم الحسنة ويمجدُوا أباكُم الذي في السماوات (مت16:5)، بينما الأعمال الصالحة هي أعمال خيرة في عين الإنسان مثل الصدقة والعطاء والخدمة، لكن القصد منها والهدف الحقيقي هُو تمجيد الذات..
 
 والرّب يُحذرنا منها ويقُول: احترزُوا من أن تصنعُوا صدقتكُم قُدام الناس لكي ينظرُوكُم، وإلاّ فليس لكُم أجر عند أبيكُم الذي في السماوات، وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك، لكي تكُون صدقتك في الخفاء، فأبُوك الذي يرى في الخفاء هُو يجازيك علانية.. (مت1:6-4)..
 
بُولس الرسُول يتكلّم عن الإيجابيات في حياتنا الإيمانية، ويُريد منا أن نُقدم أجسادنا ذبيحة حّية، أي إنسان الجسد (الذات)، لأن في الديانة البُوذية تعتبر أن الجسد عدُو الإنسان، فيعذبه ويجلس على مسامير، ويصلب الجسد عدة أيام .. أما في المسيحية فيقُول الكتاب:
 
 ألستُم تعلمُون أن أجسادكُم هي أعضاء المسيح؟! أم لستُم تعلمُون أن جسدكُم هُو هيكل للرُوح القُدس الذي فيكُم، الذي لكُم من الله، وأنكُم لستم لأنفُسكُم؟! لأنكم قد أشتريتُم بثمن، فمجدُوا الله في أجسادكُم وفي أرُواحكُم التي هي الله، راجع (1كو15:6-20)..
 
 تعتبر جسدك مائت بالنسبة للعالم ومباهجه وشهُواته، لكن حي للمسيح يسُوع الذي قال: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله، وتقُول:  مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ، فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي، راجع (يو34:4؛ غل20:2؛ 1كو27:9)..
 
 إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، فإن مَن أراد أن يُخلص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدها، لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كُله وخسر نفسه؟! أو ماذا يُعطى الإنسان فداءً عن نفسه؟! وكما يقُول الرسُول: أقمعُ جسدي وأستعبدُه.. (مت24:16-26؛ 1كو27:9)..