كمال زاخر
الجمعة 27 فبراير 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يكن هذا الكتاب إبن الأمس أو أول أمس، لكنه يأتي تطوراً لرؤية شاغلتني قبل نحو اربعة عقود، مع اطلالة تسعينيات القرن العشرين، كنت وقتها اغادر للتو عامي الأربعين، متوزعاً بين عملي وبيتي والشأن العام وكنيستي، شأن غالبية جيلي الذي شهد تحولات حياتية متتالية وعاتية، لكنها لم تنجح في خلخلة إيماني وحبي لرباعية إهتماماتي، كان مناخ النشأة يحكم هواياتي التي يتصدرها شغف القراءة، وقتها كان الكتاب هو الباب الملكي للمعرفة واكتشاف العالم من حولي، لم يكن أمامه منافس يزاحمه، فقد كان "التلفزيون" يطرق ابواب بيوتنا على استحياء، والراديو يتوزع بين الأخبار والأغاني ومسلسل الظهيرة وبعض من البرامج المتنوعة.
وحين دخل التلفزيون بيتنا كان يخضع لرقابة صارمة من والدي، كونه عصامياً خاض معركة حياتية مع التحقق، وكان مجيئه للقاهرة قادماً في ثلاثينيات القرن من قريته ـ الغنايم ـ القابعة في حضن الجبل بأسيوط، واحدة من محطات كفاحه، وقد حملت ملامحه صرامة عناء رحلته، فيما كان قلبه معجون بحب يفيض علينا ويحتوينا، كانت ملامحه تقترب كثيراً من ملامح المصريين القدماء، الجبهة العريضة والعيون الثاقبة والكلام القليل، كنا نهابه ونحبه، انعكس ارتباطه بالكنيسة علينا، فارتبطنا بها، وعاشت فينا، لا أتذكره يوماً موجهاً لنا بتعليمات تتعلق بالصلاة أو الصوم أو قراءة الكتاب المقدس، كانت حياته وتفاصيل يومه نموذجنا، وقدوتنا، فاختبرنا في حياته الصلاة والصوم، وقراءة الكتاب، ومازلت اتذكر جلسته الأثيرة مع شروق الشمس في شرفة حجرته وأمامه الإنجيل وجريدة الأهرام، كل صباح قبل أن يذهب إلى "محله" بوكالة البلح. كان قارئاً مدققاً ومحللاً واعياً للأحداث، وقد أورثنا شئ من هذا، رغم أنه لم ينل كثيراً من التعليم النظامي، الذي توقف عند باب كُتَّاب القرية بالكنيسة، لكنه استطاع أن يفتح له نوافذ عديدة على المعرفة بمثابرة وهدوء وعمق.
كان سور الأزبكية ومكتباته العتيقة ملاذنا والمرفأ الذي يتيح لنا الكتب والمجلات القديمة بما يتفق وقروشنا القليلة، وفيه ومن خلاله تعرفنا على العديد من المعارف المتنوعة، من أدب عالمي وابداعات صانعي الثقافة في مصر، الذين تتلمذنا عليهم هناك، بتتابع اجيالهم وتنوع توجهاتهم، من د.طه حسين إلى د. يوسف ادريس، وبينهما العقاد وتوفيق الحكيم ودكتور لويس عوض، وانيس منصور والفريد فرج، والقائمة ممتدة.
في زمن الصبا وربما قبل مرحلة سور الأزبكية كانت مجلات سمير وميكي والسندباد رفقاء اسبوعنا، وقد اخذتنا إلى عالم الخيال عبر قصصها المرسومة وشخصياتها التي ارتبطنا بها في تتبع شغوف لمغامراتهم وحكاياتهم، ثم تلحقهم مجلة المختار وهي تصدر باللغة العربية مترجمة عن نسختها الأمريكية واسمها بالكامل "المختار من مجلة رايدرز دايجست"، وهي تقدم مقالات ثقافية وعلمية موجزة وتعرض كتب كبار الأدباء والمفكرين من مختلف الثقافات، ونبذات طريفة مختلفة، كانت تمثل وجبة شهرية دسمة، بطريقة سلسة فى قراءتها وسهلة فى فهمها. وفي مصر تولى الأخوين علي ومصطفى أمين اصدار النسخة العربية منها وصدر العدد الأول في سبتمبر 1943 وكان رئيس تحريرها الصحفى اللبنانى فؤاد صروف واستمرت حتى عام 1947، لتتوقف ثم تصدر ثانية عام 1956 برئاسة تحرير الصحفى المصرى محمد زكى عبد القادر. واستمر هذا الإصدار إلى يونيو عام 1967، تتوقف ثانية ثم تصدر مجدداً ولكن هذه المرة من لبنان عن دار النهار من عام 1979 وحتى 1993 ويرأس تحريرها الصحفي اللبناني إدموند صعب، وتتوقف نهائياً، فيما تستمر النسخة الأمريكية في الصدور.
وفي عام 2022 تحتفل المجلة بمرور قرن على اصدارها، وفي هذا يكتب الصحفي المصري ـ من اصول ارمينية ـ توماس جورجسيان، في مقال له بمجلة صباح الخير التي تصدر عن مؤسسة روز اليوسف يقول "المجلة الأمريكية الشهيرة تحتفل هذه الأيام بمرور قرن على ميلادها.. إنها مائة عام من التواجد المتميز والتواصل الإنسانى والانتشار الجماهيرى وبالطبع الاستمرار فى الصدور.. وجذب انتباه واهتمام أجيال متوالية من القراء فى أمريكا والعالم ... ريدرز دايجست تبدأ قرنًا جديدًا وسط الصخب السائد والمتزايد من السوشيال ميديا وطوفان المعلومات وإعصار الآراء وتحاول أن تقدم المختار وما يتم غربلته واختياره مما هو معروض ومتوافر بكثرة من أجل تقديم ما هو مفيد وممتع. إنها سحر الطبخة.. وبهجة الحواديت الإنسانية!".
في هذا المناخ تتسلل الكتب المسيحية إلينا، وتأتي نشأتنا ويتشكل وعينا والبابا كيرلس السادس يجلس لتوه على الكرسي المرقسي، وكما في الحياة العامة كذلك في الكنيسة تشهد سنواته نهضة معرفية روحية نغترف منها من عدة مصادر، ثم يرحل بشيبة صالحة ليخلفه البابا شنودة الثالث، ومعه تحدث طفرة توعوية كان هو ابرز اضلاعها، وهنا تبدأ حكاية كتابنا الذي نعرض له "كنيستنا القبطية إلى أين؟"، كانت البداية مبكرة بشكل لافت، فنحن نقف عند نهايات عام 1991 فيما يصدر الكتاب مع اطلالة عام 2026، وقد تصيبك الدهشة حينما ترى هذه المساحة الزمنية الشاسعة الفارقة بين التاريخين، نحو 35 عاماً، ربما تتكشف لك الصورة عندما تعرف أنني لم أكن يوما كاتباً محترفاً، ولم اختر الكتابة للكتابة، ومازلت اعتبر نفسي "كاتباً هاوياً وقارئاً محترفاً" بحسب التوصيف الذي صكه عن نفسه الكاتب الكبير كامل زهيري، نقيب الصحفيين الأسبق.
تبدأ حكاية الكتابة مع إعلان في برواز نشر في اجتماعيات جريدة الأهرام، وفي مجلة الكرازة (20 سبتمبر 1991)، يحمل قرار الكنيسة تجريد الراهب القمص دانيال البرموسي من الكهنوت والرهبنة وعودته إلى اسمه المدني (العلماني)، وهو اجراء يتكرر بين الحين والأخر عندما يكسر الراهب التزاماته ونذوره الرهبانية أو يحيد عنها، لكننا هنا أمام شخصية مختلفة استطاع صاحبها أن يجد له مكاناً مؤثراً في التواصل مع الشباب عبر ما يصدره من كتيبات صغيرة عن الإيمان والتوبة والطريق إلى الله، بلغة مختلفة وجدت قبولاً وتفاعلاً عند آلاف الشباب، انعكسا على كثافة الحضور في مؤتمراته الروحية التي شهدتها باحات دير العذراء ببياض، كان أحد التجليات المبكرة لعصر التحول الرقمي وتقنياته، تدعمت بخلفياته الثقافية والأدبية التي ترجمتها كتبه التي تنفذ فور صدورها.
ربما لهذا حاصرتني الأسئلة عنه وعن هذا الموقف الحاد معه، ومعها تبدأ رحلة البحث عن اجابات لها، والتي انتجت صفحات كتيب "الأب دانيال (إدوار اسحق): المصداقية، الإختراق، النكوص"، والتي احسبها تقريراً استقصائياً عن الحدث والقرار والشخص، وهو تقرير حمل في خاتمته محاولة لتحليل كل هذا ووضع تصور يحمل رؤيتي في الأسباب التى انتهت بنا إلى هذا وما أتصوره مخارج موضوعية منها. وكنت حريصاً على أن تكون النسخة الأولى من هذا الكتيب في يد قداسة البابا شنودة الثالث، وقد كان، وجاء رد فعل قداسته ايجابياً إذ نبه على طلبة الإكليريكية بقراءته، واستدعاني لمقابلته وكلف الآباء انبا بيسنتي سكرتيره واسقف حلوان، والأنبا موسى اسقف الشباب بابلاغي بهذا، وشرفت بلقائه بالكاتدرائية.
تجري في نهر الكنيسة مياه كثيرة، وتشهد تصاعد سطوة الإكليروس واحكام قبضته على الحياة الكنسية، ومصادرة الحوار وإقصاء العلمانيين، وتشهد الكنيسة تحولاً دراماتيكياً عقب عودة قداسة البابا إلى كرسيه ١٩٨٥ بعد اعتقال خلف اسوار ديره نتيجة صدام السادات معه والذي افضي إلي قرارات ٥ سبتمبر ١٩٨١ الصادمة والتي تضمنت قرار سحب اعتراف الدولة به كبطريرك والتحفظ عليه في الدير.
ومع عودة قداسته اسند سكرتارية مجمع الأساقفة للأنبا بيشوي اسقف دمياط، لتبدأ مرحلة ممتدة من ملاحقة المختلفين مع قداسة البابا، وحرمانهم من الكنيسة وتجريد الكهنة منهم من رتبهم الكهنوتية أو ايقافهم عن الخدمة، بالمخالفة لقوانين الكنيسة وبغير محاكمات قانونية، وانما وفق التقدير الشخصي لمتخذي القرار.
تتناول مجلة مدارس الأحد هذا التحول وتكتب محذرة من استمراره، الأمر الذي يزعج القيادة الكنسية فتسحب اعترافها بالمجلة ومحرريها.
عقب هذا تجد ازمات الكنيسة واشكالياتها متسعاً للنشر في الصحافة العامة. سواء في الصحف القومية أو المعارضة.
اللافت أن تقرير خاتمة الكتيب كانت المحور الذي تشكلت حوله اطروحاتي اللاحقة فيما يتعلق باشكاليات الخدمة الكنسية، الظواهر والأزمات والحلول، والتي ترجمتها مؤتمرات التيار العلماني (القبطي)، 2006 / 2010، وما اصدرته من كتب:
ـ "الإشكالية القبطية ـ رؤية من الداخل" 1998
ـ "العلمانيون والكنيسة ـ تحالفات وصراعات" 2009
ـ "قراءة في واقعنا الكنسي ـ شهادة ورؤية" 2016
ـ "الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد" 2019.
ثم يتبلور كتاب "كنيستنا القبطية إلى إين؟ يناير 2026، كحلقة أخيرة في سلسلة ممتدة، عساها تجد من يترجم توصياتها إلى واقع معاش، وفي تقديري أن هذا الكتاب يحمل طرحاً عركته وكتبت سطوره خبرات وتراكمات كل هذه السنين، والتي انعكست على منهج الطرح وعلى توصيات الخروج بالكنيسة من مأزق المواجهات الحادة، وهي مواجهات وصدامات كثيرها غائم ومرتبك ومشخصن، إلى براح رسالتها ودورها وأدواتها، وحتمية مواجهتها لواقعها وضبطه على ما تمتلكه من زخم لاهوتي وفكري وما تختزنه في ليتورجيتها من قواعد مؤسسة لإيمان وحياة مستنيرة في المسيح، تمتد خارج اسوارها لعالم ينتظرها أن تأخذ بيده لحياة أفضل.





