بقلم الأب يسطس الأورشليمى
في أحد التجربة نجد أن الرُوح القُدس قد أحضر لنا ثلاث قطع من المزامير، ويُظهر فيها خطأ من أخطاء داود، فمثلاً في إنجيل عشية يقُول في (مز50): أرحمني يا الله كعظيم رحمتك وكمثل رأفتك تمحُو معاصيّ، بعد أن أخطأ داود وزنا، وقتل أورياّ الحثيّ (2صم2:11-14)..
ثم يقُول: ارحمني يا الله ارحمني فإنه عليك تُوكلت نفسي، وبظل جناحيك اتكل إلى أن يعبر الإثم (مز56)، وقد كتبه داود بعد أن أحصى الشعب، واتكل على قُوته، وإيضل يقُول: طلبت وجهك، ولوجهك يارّب التمس، لا تصرف وجهك عني، كن معيناً، ولا ترفضني يا الله مُخلصي (مز26)، وكان هذا في أثناء هرُوبه من وجه شاول الملك الذي أراد قتله..
والآباء اختارُوا لنا بإلهام الرُوح القُدس ثلاث قراءات تُشير إلى الخطايا الثلاث وهي: شهُوة الجسد، وتعظم المعيشة، وشهُوة العين، وعندما تُعمى العين تذهب إلى العدُو وتطلب منه الحماية، وهذه التجارب الثلاث تحارب بهُم الرّب يسُوع من قِبل الشيطان في التجربة على الجبل..
داود= محبُوب، والمسيح هُو ابن محّبته، هذا هُو ابني الحبيب الذي به سُررت (مت17:3؛ كو13:1)، ثم أصعد يسُوع إلى البرية من الرُوح ليُجرّب من إبليس، ثم بعد انتصاره عليه نزل ليُثبت لنا صدق الكلام..
وأننا سنجد في القراءات الثلاث: البُولس والكاثُوليكُون والابركسيس، الثلاث تجارب، شهُوة الجسد وتعظم المعيشة وشهُوة العيُن، فتنقلنا خطُوة خطُوة، ونجد عين مُنفتحة وكنيسة مُستنيرة مُلهمة من الرُوح القُدس..
نجد مُوضُوع الأكل في البُولس، حيثُ يقُول:
فإن كان أخُوك بسبب طعامك يُحزن، فلست تسلك بعد حسب المحّبة، لا تُهلك بطعامك ذلك الذي مات المسيح لأجله، لأن ليس ملكُوت الله أكلاً وشرباً، بل هُو برّ وسلام وفرح في الرُوح القُدس، فلنعكف إذاً على ما هُو للسلام، وما هُو للبنيان بعضنا لبعضٍ، لا تنقُض لأجل الطعام عمل الله، كُل الأشياء طاهرة، وطُوبى لمَن لا يدين نفسه في ما يستحسنه.. (رو15:14-23)..
شهُوة البطن هي أم الأوجاع، وأما هذا الجنس فلا يخرج إلاّ بالصلاة والصُوم، فاعملُوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية، وكما قال الرّب يسُوع: أنا هُو خُبز الحياة، من يُقبل إليّ فلا يجُوع، ومَن يُؤمن بي فلا يعطش أبداً، (مت21:17؛ يو27:6، 35)..
ثم أنتقل إبليس إلى نقطة أخرى بعد فشله في مُحاربة الجسد، وقال إبليس للرّب يسُوع: أنه يُوصي ملائكته بك، فعلى أياديهُم يحملُونك لكي لا تصدم بحجر رجلك، وهذه هي شهُوة تعظم المعيشة وتُقابل الابركسيس (أع23)..
ثم شهُوة العيُن حيث أخذه إبليس إلى جبلٍ عالٍ جداً، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وتُقابل الكاثُوليكُون (يع1:2-13)..
البُولس يُوضح خطية شهُوة الجسد..
والكاثُوليكُون يُوضح خطية شهُوة العيُن..
والابركسيس يُوضح خطية تعظم المعيشة..
ونلاحظ في إنجيل مرقس البشير: أن يسُوع كان هناك في البرية أربعين يوماً يُجرّب من الشيطان، وكان مع الوحُوش، وصارت الملائكة تخدمه، (مر1:1-15؛ في7:2)..
فهُو بالضعف أثبت ما هُو أقوى من القُوة، لكنه أخلى نفسه، آخذاً صُورة عبدٍ، صائراً في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى المُوت، مُوت الصليب (في8:2)..
هُنا يظهر نُوعية الشخص الذي يُحارب بالضعف لا بالقُوة، بينما في إنجيل لُوقا البشير أراه جميع ممالك المسكُونة في لحظةٍ من الزمان، حتى يُظهر لنا مدى تفاهة الحياة الأرضية الزائلة.. (لو1:4-12)..
أما في إنجيل متى البشير، فكتب بالتفصيل حيثُ يُحارب الشيطان الجسد من الخارج، حتى يصل إلى الرُوح من الداخل، أما تعلمُون أنكُم هيكل الله، ورُوح الله يسكُن فيكُم؟ أم لستُم تعلمُون أن جسدكُم هُو هيكل للرُوح القُدس الذي فيكُم، الذي لكُم من الله، وأنكُم لستُم لأنفسكُم؟ (1كو16:3؛ 19:6)..
يبدأ الشيطان بالحرُوب الخارجية، فبعد أن صام الرّب يسُوع أربعين نهاراً وأربعين ليلةً، مثل مُوسى الذي يُمثل النامُوس، وإيليا الذي يُمثل الأنبياء، كانت أول تجربة هي: تجربة الأكل التي كانت سبب السقُوط والمُوت والهلاك والضياع، (تك2؛ 3)..
وهي أول وصية لآدم يُوم تأكل منها مُوتاً تمُوت، وبسبب الخطية دخل المُوت العالم وتعرى الإنسان (تك17:2؛ 10:3)..
نستطيع أن نفهم أسلُوب عمل الشيطان، فهُو دائماً يعمل من الخارج إلى الداخل، فيبدأ بالجسد والتأثير على العقل والعاطفة، لكي يصل من خلالها إلى الإرادة، وعندما ترضخ له، يُسيطر على الإنسان بأكمله..
أما أسلُوب الله في العمل فعكس ذلك تماماً، فالله يعمل دائماً من الداخل إلى الخارج، يبدأ أولاً بالتعامل مع رُوح الإنسان، وبعدها يُنير ذهنه، ثم يُحرك عُواطفه ومشاعره وأحاسيسه، ويجعل إرادته تُمارس سُلطانها على الجسد، حتى يستطيع الجسد بدُوره أن يُنفذ إرادة الله..
فالشيطان يستخدم أمُور الجسد لكي يسقط نفس الإنسان في الخطية، وبمجرد أن تخطيء النفس، تغُوص الرُوح في ظلام دامس، فكُل أعماله تتم من الخارج إلى الداخل، ومن هذه القاعدة التي نستطيع على أساسها أن نُميّز بين ما هُو من الله، وما هُو من الشيطان؟!





