شارل فؤاد المصري يكتب عن الخال ​فهمي عمر: فارس الميكروفون 
​في عام ١٩٩٨ لم يكن الهاتف النقال انتشر بشدة داخل مصر ..كان التليفون الارضي وقتها مازال هو البطل  قبل أن يتواري بفعل التكنولوجيا .

بحثت عن هاتف منزله حتي اضمن الوصول اليه واستطعت الحصول عليه واتصلت به لإجراء حوار صحفي لجريدة الأنباء الكويتية ..

تم تحديد موعد اللقاء في نادي الجزيرة الرياضي حيث جلسته المفضلة 

ذهبت إليه احمل كاسيت التسجيل ومعي مصور صحفي  والتقيت الخال فهمي عمر  بلدياتي .. حيث 

انني من محافظة قنا ..زمن مدينة نجع حمادي بالتحديد وبهجوري الأصل  ايومن قرية بهجورة وهو قنائي ومن قرية "الرئيسية " معقل قبيلة الهمامية.
هو الاستاذ فهمي عمر رئيس الإذاعة المصرية الأسبق و أحد أعمدة "الزمن الجميل" في الإعلام العربي والمصري الذي وافته المنية أمس  بعد رحلة مليئة بالنجاح وحب مصر .

الحوار الذي جري عام ١٩٩٨ اي قبل ٢٨ عاما من الآن..كان  حوارا يملؤه الحنين والخبرة فتح فيه "فارس الميكروفون" خزائن أسراره مستعرضا  رحلة بدأت بتحديات كبرى وانتهت بتربعه على عرش العمل الإذاعي لسنوات طويلة.

​من أغرب المفارقات التي كشف عنها  الاستاذ فهمي عمر في حواره  هي أن مسيرته الإذاعية المظفرة كادت أن توأد في مهدها. والسبب؟ "لهجته الصعيدية".
لقد كان الانتماء لجذور الصعيد فخرا له لكنه في أروقة الإذاعة المصرية الصارمة آنذاك كان يمثل تحديا لغويا كبيرا .

روي  لي الاستاذ فهمي  كيف بذل جهدا مضاعفا لتطويع لغته ومخارج حروفه لتناسب المعايير الإذاعية مؤكدا أن "الإصرار" هو ما حول العائق إلى تميز وجعل منه صوتا يتردد في كل بيت مصري.

​يرتبطاسم الخال فهمي عمر بواحد من أهم الأحداث السياسية في تاريخ مصر الحديث .. ثورة 23 يوليو 1952.

في شهادته التاريخية التي جرت في الحوار ذكر لي الاستاذ فهمي عمر أن الرئيس الراحل أنور السادات الذي كان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار حينها قد احتل مكانه حرفيا في الاستوديو. 

وكان من المقرر أن يكون فهمي عمر هو المتواجد في ذلك التوقيت لكن الأقدار والترتيبات الثورية جعلت من السادات المذيع الاستثنائي الذي ألقى بيان الثورة الأول من خلف ذلك الميكروفون ليعلن ميلاد عهد جديد لمصر.

​لم يقتصر الحوار على الذكريات بل امتد ليشمل تشخيصا لواقع الإعلام العربي المعاصر.. ورغم أن الحوار جري قبل أكثر من ربع قرن من الزمان الا ان الخال لخص أكبر تحدي يواجه المنظومة الإعلامية في كلمة واحدة وهي"الخوف".

وقال بالحرف الواحد : " أن ​الإعلام لا يمكن أن يبدع أو ينمو في ظل القيود النفسية أو الرقابية الصارمة.

​التحرر من "فوبيا" الخطأ أو الانتقاد هو السبيل الوحيد لمنافسة المنصات العالمية.

​المصداقية هي العملة الوحيدة التي تضمن بقاء الوسيلة الإعلامية في قلوب الناس.

​تحدث  الخال أيضاعن "هيبة الميكروفون" التي لا تزال تسكنه معتبرا أن الإذاعة فن يعتمد على "تخيل" المستمع مما يجعلها أداة تثقيفية وتنويرية أقوى من الصورة أحيانا مشددا على ضرورة إعداد الكوادر الإعلامية بشكل يجمع بين الثقافة العامة الواسعة والتمكن اللغوي بعيدا عن السطحية التي قد تفرزها بعض وسائل الإعلام الحديثة.

​الاستاذ فهمي عمر يبقي مدرسة ملهمة للأجيال الجديدة مذكرا الجميع بأن الموهبة وحدها لا تكفي بل هي بحاجة إلى الصبر و صقل المهارات والشجاعة في قول الحق.

 رحلته من "الصعيد" إلى رئاسة " الإذاعة المصرية" هي قصة نجاح كتبت بحروف من وفاء لهذا الجهاز السحري الذي يسمى الإذاعة.

رحم الله الخال فهمي عمر واسكنه فسيح جناته .

الكاتب: صحفي وباحث في العلوم السياسية.