الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
صدمني منذ أيّام أن أرى بعض الأصوليّين المصريّين يستشهدون بنبوّات من العهد القديم لتطبيقها على إيران اليوم. ما يتناسونه هو أمرٌ أساسيّ في الإيمان المسيحي: النبوّات الكتابيّة قد تحقّقت كلّها في المسيح، والكنيسة لا تنتظر تحقيقها السياسي في أحداثٍ معاصرة. فالمسيح هو ملء الوعد الإلهيّ، وفيه اكتمل قصد الله الخلاصيّ في التاريخ. يقول العهد الجديد بوضوح: «مهما تكن مواعيد الله، ففيه كان النعم» (٢ كورنثوس ١: ٢٠). ومن ثمّ فإنّ تحويل النبوّات إلى أدوات لقراءة الحروب المعاصرة ليس لاهوتًا مسيحيًّا، بل بالحريّ إسقاطٌ أيديولوجيّ على الكتاب المقدّس.
وفي السياق نفسه، يعبّر بعض المسيحيّين عن فرحهم بالقضاء على منظّمات عنيفة أو إرهابيّة، أو بمقتل من يُعدّونهم أعداء. قد يكون لكلّ إنسانٍ موقف سياسيّ يراه مناسبًا، وهذا أمر يدخل في نطاق حرّيّة الرأي. لكنّ ما ليس لأحد حرّيّة فيه هو تدنيس الإيمان المسيحي عن طريق تبرير العنف بآيات الكتاب المقدّس بعيدًا عن تقليد الكنيسة الذي يمتدّ لألفي عام.
"التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة" واضح في هذا الشأن. فهو يبدأ من قلب الإنسان نفسه. يذكّر بأنّ المسيح حين أعاد التذكير بوصيّة «لا تقتل» دعا إلى سلام القلب وندّد بالغضب القاتل والبغضاء (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، فقرة ٢٣٠٢–٢٣٠٣).
ويؤكّد أيضًا أنّ السلام ليس غياب الحرب فحسب، بل هو نظامٌ أخلاقيّ قائم على العدالة والأخوّة واحترام كرامة الإنسان: «السلام ليس محض غياب الحرب… بل هو عمل العدالة وثمرة المحبّة» (التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، فقرة ٢٣٠٤). كما يعلن أنّ مصدر السلام الحقيقي هو المسيح نفسه: «السلام الأرضي صورة وثمرة لسلام المسيح… الذي قَتَلَ العداوة في شخصه» (التعليم المسيحيّ فقرة ٢٣٠٥).
حتّى عندما تتحدّث الكنيسة عن إمكان "الدفاع الشرعيّ، فإنّها تضع شروطًا صارمة لذلك، منها أن تكون جميع الوسائل السلميّة قد استُنفدت، وألا يؤدّي استخدام السلاح إلى شرور أكبر من الشرّ المراد إزالته (التعليم المسيحيّ فقرة ٢٣٠٨–٢٣٠٩). أمّا تدمير المدن أو قتل المدنيّين، فيُعدّ جريمة ضدّ الله والإنسان (التعليم المسيحيّ فقرة ٢٣١٤). لهذا فإنّ التشفي بموت البشر، أيًّا كانوا، لا ينسجم مع روح الإنجيل. فالمسيح لم يقل: طوبى للمنتقمين، بل قال: «طوبى لصانعي السلام».
المشكلة إذًا ليست في التحليل السياسيّ الذي قد يختلف فيه الناس، بل في تحويل الكتاب المقدّس إلى أداة لتبرير العنف. عندئذٍ لا يعود النصّ المقدّس كلمة خلاص، بل يصبح سلاحًا أيديولوجيًّا. وفي النهاية يبقى السؤال المسيحيّ المطروح للأصوليّين حاسمًا: هل نريد أن نكون جماعة تبرّر القتل باسم الله، أم جماعة تشهد لسلام المسيح في عالمٍ يمزّقه العنف؟ الإيمان المسيحي لا يُقاس بعدد الأعداء الذين يموتون، بل بعدد القلوب التي ترفض الكراهية وتعمل من أجل إحلال السلام المسيّانيّ.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى...





