أحمد الخميسي
لفت موضوع الشاشة الكبيرة انتباهي مبكرا، ربما عام 1965 أو 66، حينذاك كان لي صديق عزيز هو الشاعر القاص عبد القادر حميدة الذي جمعتني به مودة وصداقة خلال عملنا في مجلة الاذاعة والتلفزيون. وكان حميدة قد نشر ستة كتب ما بين القصة والشعر، ثم تصادف أن قام بدور صغير في فيلم " الجزاء" ظهر خلاله في عدة لقطات محدودة في دور شاب وطني في ثورة 19يكافح الاحتلال الانجليزي. وحكي لي عبد القادر أنه حضر العرض الأول للفيلم، وفوجئ بعد الفيلم بالتفاف كوكبة من الصحفيين الشباب حوله يسألونه عن أفلامه القادمة وتعاقداته السينمائية.
وقهقه يكمل الحكاية : أولاد اللذين .. عشرون عاما أكتب وأنشر من دون أن يلتفت إلى أحد، ولكن بمجرد ظهوري مصادفة في مشهدين عابرين إذا بي نجم يطوقني الاهتمام الاعلامي! وقهقه حميدة متعجبا من سحر ظهور الانسان على الشاشة الكبيرة والتأثير المدهش لذلك الظهور. وربما يعود ذلك السحر إلى رغبة الانسان العميقة السرية في الخروج من الحياة التي تتجاهله يوميا إلى الظهور ملء السمع والبصر محمولا على ضوء الخلود.
علاقتي الشخصية بذلك العالم بدأت منذ الطفولة عندما كان يجوب شوارع الجيزة رجل يحمل صندوقا ودكة خشبية، وبالصندوق خمسة عيون تخترق داخله، هذا كان " صندوق الدنيا "، يعطي كل طفل منا إلى الرجل قرش صاغ ويجلس على الدكة، ثم يحرك الرجل ذراعا خشبية تدير صورا متعاقبة تشبه الفيلم بينما يحكي لنا بصوته المرتفع حكاية ما نراه : السفيرة عزيزة راكبة الجمل! وقد أثارت حتى تلك الشاشة البدائية دهشتي حينذاك، وأثارت في نفسي التساؤل عن سحر الشاشة والصور المرئية. تكمن في الانسان تلك الرغبة العميقة في أن يكون مرئيا، وأن يشغل الأنظار، وكأن الظهور على الشاشة اعلان وجود، ونفي لعدمية حياة الفرد اليومية المتكررة التي يكسوها غبار الاعتياد.
لاحقا أشركني والدي في تمثيلية تلفزيونية كان يقوم بإخراجها، ويقتصر دوري فيها على المرور العابر بين حجرات إحدى المستشفيات والغمغمة بكلمتين عابرتين أثناء بحثي عن حجرة مريض. ولم أكن أعلم ولا أتصور أن تلك اللحظة من الظهور على الشاشة سوف تسوق إلى جميلة من عمري كنت متعلقا بها، فقد تصادف أن شاهدت هي التمثيلية فاستوقفتني على سلم العمارة تهتف في وجهي بانبهار : أحمد أنا شفتك امبارح في التلفزيون! وشددت رقبتي لأعلى بكبرياء النجوم وأنا أقول مدعيا التواضع : ده دور بسيط في الأول. وظلت الجميلة متعلقة بالنجم تمد إليه نظرات العشق والاعجاب.
ولاحقا كتبت حوار فيلمين اثنين، ثم انصرفت عن تلك المهمة التي تستدعي أن تتفرغ لها بالكامل. عام 1973 شاركت مع صنع الله ابراهيم في فيلم من اخراجه في موسكو، وكان الفيلم بمثابة مشروع التخرج، لكني حينذاك لم أشارك إلا بصوتي فقط ، ورغم ادراكي لسحر الظهور على الشاشة إلا أن الرغبة في ذلك الظهور لم تعتريني قط ، ولا لحظة، ربما لأنني كنت منشغلا بالتطلع إلى صورتي على شاشة صغيرة في داخلي.





