(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
المرحلةُ الثانية: يسوعُ يحمل الصليب
المرحلةُ الثانية: يسوعُ يحمل الصليب
«فأَسلَمَه إِليهم لِيُصلَب. فأَمسَكوا يسوع. فخَرَجَ حامِلًا صَليبَه إِلى المَكانِ الَّذي يُقالُ لَه مَكانَ الجُمجُمة، ويقالُ لهُ بِالعِبرِيَّةِ جُلْجُثَة» (يوحنّا 19: 16-17).
انطلاقًا من عِبارات القدّيس يوحنّا في بشارته، يبدو أنّ الأمر الجوهريّ في هذه المرحلة هو "حَمْل الصليب"؛ وعلى نحوٍ أدق، هو الفعل "يحمل" أو الحال "حامِلًا" (وفي النصّ اليونانيّ هكذا: βαστάζων). وعلينا أن نلاحظ أنّ البشيرَ يوحنّا لم يكتفِ بوضع الفعل فقط، بل أضاف هذا التعبير (ἑαυτῷ) أيضًا، أي "هو ذاته". وبكلماتٍ أوضح، ربَّما أراد يوحنّا أن يؤكّد على أمرَيْن: الحَمْل أو الرفع من جهة، والحامل أو الرافع من جهة أُخرى. فإن كان المحمولُ هو "الصليب" (الخشبة الأفقيّة)، فالفعل هو "الحَمْل أو الرفع"، بالإضافة إلى فعل "خَرَجَ"، وأمَّا الحامل أو الرافع هو يسوع الناصريّ ذاته. والآن، ماذا يعني هذا كلّه؟
بدايةً، علينا الإقرار –بواقعيّةٍ وإيمانٍ واعٍ– بأنّ لكلّ إنسانٍ صليبه الخاصّ، وبطريقةٍ خاصّة؛ فلا نحمل جميعنا الصليبَ عَيْنه، وبالطريقة ذاتها. فأنا لي صليبي الخاصّ، وأنتَ لك صليبكَ الخاصّ، وأنتِ لكِ صليبكِ الخاصّ؛ فقد كان ليسوع المسيح كإنسانٍ صليبه الخاصّ أيضًا. ومع ذلك، وإن اختلفت صلباننا من جوانب معيّنة، إلَّا أنّها جميعها لها ذات المعنَى والمَغْزى، فهي دعوةُ فعلِ حبٍّ أصيل، قبل أن تكون آلام ومشقّات ومتاعب. فلا أحد من البشر، ولا حتّى يسوع الناصريّ ذاته، يبحث عن الآلام والمشقّات والمتاعب؛ وإنّما جميعنا، وكلّ واحد منَّا بنوعٍ خاصّ، مطالبٌ بـ"حَمْل الصليب" بواقعيّةٍ شديدة، أي بعَيْش المحبّة الأصيلة من خلال تضحيّات ومُثابرات وأفعال وأعمال يوميّة، وهي بدورها أمور مكلّفة ومتعبة وشاقة. وفي هذا السياق، نسترجع قول يسوع: «مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِهِ ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها» (متّى 16: 24-25).
من جهةٍ أُخرى، ووفقًا لبشارة القدّيس يوحنّا، إن كان يسوع الناصريّ قد "حَمَلَ صَليبَه" الثقيل، "هو ذاته"، وإن كان صَليبُه تعبيرًا بليغًا عن محبّته للآب والبشريّة، فإنّه يسطع أمامنا كنموذجٍ لنحتذي به دائمًا، ونحمل صلباننا على مثاله، بغضّ النظر عن ثقلها، وحتّى في أحلك الظروف، وأصعب المواقف، وقِمّة الألم. ومع ذلك، فنحن مدعوّن أيضًا، من خلال مرحلة دَرْب الصليب هذه، أن نضع صلباننا جميعها، أيًّا كان نوعها أو حجمها أو طريقتها أو ثقلها، في صليب يسوع الناصريّ، حتّى يحملها "هو ذاته" معنا. وبالطبع، لا يعني هذا بأيّ حالٍ من الأحوال التهرُّبَ من صلباننا، وتركها للمسيح وحده؛ وإنّما أن يحمل كلُّ واحدٍ منَّا صليبه الخاصّ في صليب ربّنا يسوع المسيح، وانطلاقًا منه، وعلى طريقته، ومن أجله، ناظرين إلى أبيه وأبينا، وإلهه وإلهنا، ومسنودين بمعونة الرُّوح القُدس.
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





