شارل فؤاد المصري يكتب: قراءة سياسية لافطار المطرية
لم يعد الخامس عشر من رمضان مجرد تاريخ في التقويم بل تحول إلى "بيان سياسي" تتم كتابته بالزحام والمحبة وصيحات الفرح.
ما يحدث في "عزومة المطرية" السنوية يتجاوز كونه إفطارا رمضانيا لآلاف الصائمين إنه ظاهرة اجتماعية سياسية " "سوسيوسياسية" تفرض نفسها على التحليل وتعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الشارع المصري على التنظيم الذاتى فى ظل التحديات الراهنة.
الملاحظة الأبرز فى إفطار المطرية هى "استعادة المجال العام". فى وقت تميل فيه المدن الحديثة إلى العزلة بمعني "كل واحد في حاله" قرر أهالي المطرية كسر الجدران وتحويل الشارع إلى "بيت كبير". سياسيا .
نحن أمام نموذج حى يعرف بـ "المواطنة النشطة" حيث لا ينتظر المواطن توجيها من مؤسسة أو تمويلا من جهة بل يبادر لخلق واقعه الخاص.
هذا التنظيم الذى يضم لجان تأمين وطهاة ومنظمين ومتطوعين هو "بروفة" لمجتمع مدنى حى وقادر على إدارة شؤونه بكفاءة تفتقر إليها أحيانا كبرى المؤسسات البيروقراطية.
لا يمكن قراءة مشهد المطرية بمعزل عن السياق الإقليمى هذا العام كما في الأعوام السابقة حيث كانت فلسطين حاضرة بقوة.
إن تحول "مائدة طعام" إلى منصة للتضامن عبر الأعلام والهتافات العفوية يعكس وعيا سياسيا فطريا لا ينفصل عن الهم القومى.
المطرية هنا ليست مجرد حى قاهري شعبى بل هي "ترمومتر" للشارع المصري تؤكد أن القضايا الكبرى لا تزال حية في وجدان الإنسان البسيط مهما أثقلت كاهله هموم المعيشة.
"إفطار المطرية هو القوة الناعمة في اجمل صورها ..صورة تصدرها مصر للعالم دون وسيط ودون ميزانيات إعلانية ضخمة."
يمثل الإفطار حالة من "السيولة الطبقية". على تلك المائدةو يتلاشى الفارق بين "ابن الحي" حي المطرية والزائر القادم من أحياء راقية وبين المشهور والمغمور.
هذه الحالة من "المساواة المؤقتة" تعطي درسا في السلم الاجتماعى فالمجتمع الذي يستطيع أن يأكل على مائدة واحدة بهذا الرقى والتنظيم هو مجتمع يمتلك مناعة فطرية ضد خطابات الكراهية والتقسيم.
وبينما يتحدث البعض عن "البذخ" في ظل الأزمات تأتي المطرية لترد بأن "الاقتصاد الاجتماعى" يختلف عن الحسابات الورقية.
هذا الإفطار هو استثمار قوى في الروح المعنوية المصرية وفي الهوية الوطنية وفي الترويج السياحي لـ "مصر الحقيقية".
إنها رسالة طمأنة للعالم بأن القاهرة لا تزال تنبض بالحياة وأن "الأمان" ليس مجرد إجراءات بل هو ثقافة شعبية تحمى الغريب قبل القريب.
نجاح إفطار المطرية السنوي يضع المسؤولين والمخططين أمام حقيقة واحدة هي : "ثقوا فى قدرات هذا الشعب". إن توفير المساحة للناس للتعبير عن أنفسهم بشكل عفوى ومنظم هو أقصر طريق للاستقرار الاجتماعي.
المطرية لم تقدم لنا طعاما فحسب بل قدمت لنا "روشتة" لتعافى المجال العام جوهرها المحبة ومحركها التطوع وهدفها إثبات أن مصر دائما قوية .
دمتم بخير
وكل سنة ونحن بخير
الكاتب : صحفي وباحث في العلوم السياسية





