هاني صبري - المحامي 
أثارت التصريحات الأخيرة لنيافة الأنبا يوأنس، مطران أسيوط، بشأن منع التناول لغير الصائمين، نقاشًا لاهوتيًا داخل الأوساط الكنسية، خاصة بعد تأكيده أن: “اللي مش صايم ما ينفعش يتناول إطلاقًا.”

وهذا الطرح يفتح بابًا مهمًا للبحث في سؤال جوهري يمس حياة المؤمنين الروحية:
هل الصوم النباتي شرط جوهري للتناول من الأسرار المقدسة؟ أم أنه وسيلة روحية للاستعداد وليست شرطًا مانعًا بذاته؟

إن الإجابة على هذا السؤال يجب أن تُبنى على ثلاثة مصادر رئيسية للإيمان المسيحي الأرثوذكسي:
1- الكتاب المقدس.
2- تعليم الآباء الأولين.
3 - تقليد الكنيسة الرسولية.

لأن الأسرار المقدسة ليست مجرد طقس كنسي، بل هي لقاء حي بين الإنسان والسيد المسيح، وفي هذا اللقاء تُشفى النفس وتستعيد قوتها وتجد طريقها إلى الحياة.
أولاً: التناول في الكتاب المقدس ليس مكافأة بل نعمة خلاص.
الأساس الأول لأي تعليم كنسي هو الكتاب المقدس.

عندما أسس الرب يسوع المسيح سر الإفخارستيا قال:
“خذوا كلوا هذا هو جسدي… اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي.”
(متى 26: 26–28)
الملاحظ هنا أن الرب لم يربط التناول بأي شرط غذائي أو نظام صوم محدد.

كما قال الرب:
“من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية.” (يوحنا 6: 54)
فالرب يقدم التناول كـ وسيلة للحياة وليس كـ جائزة روحية للصائمين.

ولهذا قال القديس أغسطينوس:
“الإفخارستيا ليست مكافأة للأبرار بل دواء للضعفاء.”

وهذا المفهوم يتوافق مع ما قاله السيد المسيح:
“لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى.” (مرقس 2: 17)
فالسيد المسيح لم يأت ليعطي الأسرار للأقوياء فقط، بل جاء ليعطيها للمتعبين والمنكسرين والذين يحتاجون إلى قوة جديدة في الطريق.
ولهذا يشعر المؤمن عندما يتقدم للتناول أنه لا يأتي لأنه كامل، بل لأنه محتاج للمسيح.
فإذا كان التناول هو دواء روحي، فكيف يمكن تحويله إلى وسام لمن نجح في نظام غذائي معين؟

ثانياً: تعليم الرسول بولس عن الاستعداد للتناول.
النص الرسولي الأساسي حول التناول هو قول القديس بولس:

“ولكن ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس.”
(1 كورنثوس 11: 28)

لاحظ أن الرسول لم يقل:
“ليصم الإنسان صومًا نباتيًا”.

بل قال:
“ليمتحن نفسه”.

أي أن الاستعداد الحقيقي للتناول هو:
التوبة الصادقة ونقاوة القلب والمصالحة مع الآخرين والإيمان بالمسيح.
ولهذا قال بعدها مباشرة:
“لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه.”
(1 كورنثوس 11: 29)
فالتحذير الرسولي يتعلق بـ الاستحقاق الروحي وليس النظام الغذائي.

فالكنيسة منذ البداية كانت تدعو المؤمن أن يسأل نفسه قبل التناول:
هل قلبي متصالح مع الله؟
هل غفرت لمن أساء إليّ؟
هل أطلب المسيح بصدق؟
هذه هي الأسئلة التي تفتح الطريق أمام نعمة السر.

ثالثاً: الكنيسة الأولى لم تجعل الصوم النباتي شرطًا مانعًا للتناول.
عند دراسة القرون المسيحية الأولى نجد أن الكنيسة كانت تشترط للاستعداد للتناول:

1 - الصوم الانقطاعي قبل التناول
2- التوبة
3 - الاعتراف
أما الصوم النباتي الكنسي الطويل فلم يكن شرطًا مانعًا للتناول.

القديس يوستينوس الشهيد (القرن الثاني) وصف الإفخارستيا قائلاً:
“لا يشترك فيها إلا من يؤمن ويعيش حياة المسيح.”
ولم يذكر شرط الصوم النباتي.
كما أن قوانين الرسل تحدثت عن الاستعداد للتناول بالاعتراف والتوبة، ولم تجعل الامتناع عن الطعام الحيواني شرطًا مانعًا.
وهذا يوضح أن الكنيسة الأولى كانت ترى التناول قوة للحياة الروحية أكثر من كونه مكافأة لمن نجح في ممارسة نسكية معينة.

رابعاً: الصوم في تقليد الكنيسة وسيلة روحية وليس شرطًا مانعاً للتناول
الصوم في الكنيسة الأرثوذكسية له قيمة عظيمة.
فهو: تدريب للنفس وتهذيب للجسد..
لكن تحويله إلى شرط قانوني يمنع التناول قد يؤدي إلى فهم قانوني جاف لا يتفق مع روح الإنجيل ويضع قيوداً لم يضعها السيد المسيح سرّ التناول كما أراده المسيح: ينبوع حياة وشفاء، لا مكافأة نسكية ولا امتيازًا لفئة دون أخرى.

القديس يوحنا ذهبي الفم قال:
“إن كنت تصوم عن الطعام ولكنك لا تصوم عن الخطية فصومك باطل.”

وقال أيضًا:
“الصوم الحقيقي هو الابتعاد عن الشر.”.
إذن جوهر الصوم هو تحول القلب وليس مجرد تغيير نوع الطعام.
فالإنسان قد يأكل طعامًا نباتيًا لكنه قد يحمل في قلبه غضبًا أو كبرياءً أو عدم محبة.
وفي هذه الحالة لا يكون الصوم قد حقق غايته الروحية.

خامساً: خطر تحويل التناول إلى مكافأة روحية.
عندما يتحول التناول إلى مكافأة للصائمين قد يحدث خطران روحيان.

أولاً: تحويل السر إلى استحقاق بشري
النعمة الإلهية لا تُستحق بالأعمال.

يقول الرسول بولس:
“بالنعمة أنتم مخلَّصون… ليس من أعمال.” (أفسس 2: 8-9)
فإذا أصبح التناول مرتبطًا بإنجاز روحي معين، قد يتحول من نعمة إلى استحقاق.
وهذا يخالف روح الإنجيل التي تقدم النعمة لكل من يطلبها بقلب منسحق.

ثانياً: حرمان الضعفاء روحيًا.
السيد المسيح أعطى الأسرار للضعفاء قبل الأقوياء.

ولهذا يقول القديس كيرلس الإسكندري:
“التناول هو قوة للذين يجاهدون، وليس جائزة لمن انتهى جهاده.”
فالمؤمن الذي يتعثر أو يضعف يحتاج إلى نعمة المسيح أكثر من غيره.
والكنيسة الأم لا تغلق الباب أمام أولادها الضعفاء، بل تساعدهم لكي يقوموا ويكملوا الطريق.

سادساً: التوازن الكنسي الصحيح
الكنيسة عبر تاريخها حافظت على توازن دقيق بين: التقليد الروحي والرحمة الرعوية.
فالصوم مطلوب ومهم، لكنه وسيلة للاستعداد وليس شرطًا قانونيًا يمنع النعمة.

ولهذا قال القديس باسيليوس الكبير:
“القانون وضع لخدمة الإنسان وليس الإنسان لخدمة القانون.”
فالغاية من كل القوانين الكنسية هي خلاص الإنسان وليس إثقاله بقيود جديدة.
أن الكتاب المقدس وتعليم الكنيسة الأصيل يضعان الاستعداد للتناول في إطار أعمق يرتبط بالتوبة والإيمان والاستعداد القلبي قبل أي مظهر نسكي خارجي؟
فالصوم في الكنيسة الأرثوذكسية هو مدرسة روحية عظيمة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز أمام نعمة الأسرار.

فالتناول،هو: غذاء للحياة ودواء للنفس وقوة للضعفاء ونعمة. 
وليس وسامًا يمنح فقط لمن نجح في الالتزام بنظام غذائي معين.
فعندما يقف المؤمن أمام المذبح، لا يقف لأنه كامل، بل لأنه محتاج للمسيح.
ولا يتقدم لأنه استحق، بل لأنه يرجو الرحمة.
إن التوازن الإنجيلي يقتضي أن يبقى الصوم طريق للاستعداد ، بينما يبقى التناول عطية نعمة إلهية تمنح الحياة للمؤمنين.

ففي النهاية، كل من يأتي إلى المسيح بقلب منسحق يسمع وعده الأبدي:
“من يقبل إليَّ لا أخرجه خارجًا.”
(يوحنا 6 : 37)