القمص رويس الجاولى
+++ في بداية عهده، اتبع محمد علي باشا سياسة تقليدية تجاه الأقباط، حيث فرض عليهم غرامات مالية في البداية لتأمين خزينة الدولة ورواتب جنوده. ومع استقرار حكمه، تحولت العلاقة تدريجياً نحو الاعتراف القانوني والمساواة، حيث اعتمد عليهم كإداريين ومباشرين لخبرتهم، خاصة مع التوسع في السودان.
+++ أبرز ملامح العلاقة في بداية عهده (بعد 1805):
+ فرض الغرامات: اعتمد في البداية على الأساليب التقليدية في تحصيل الأموال، بما في ذلك فرض غرامات على الأقباط.
+ الاعتماد الإداري: رغم الغرامات، اعتمد عليهم في إدارة شؤون البلاد المالية نظرًا لخبرتهم. وذلك لأن محمد علي كان يرغب فى إقامة دولة قوية.
+ الاستقرار والمساواة: مع استتباب الأمن، بدأت سياسة التسامح والاعتراف القانوني بالمساواة بينهم وبين المسلمين.
+ التوسع في السودان: استخدم الأقباط كإداريين في حملته على السودان عام 1821، حيث تميزوا باللين والاندماج.
+ علاقة وثيقة مع البطريركية: عاصر البابا بطرس الجاولي (1809-1852)، وشهد عهده عودة كرسي النوبة والسودان للبطريركية بعد انفصال دام 50 عاماً... بدأ الانتشار الفعلي للأقباط في أنحاء السودان المختلفة كإداريين مع غزو حاكم مصر محمد علي باشا للأراضي السودانية عام 1821، سعياً وراء الذهب والمعادن والرقيق. مع الوقت، اكتسب هؤلاء سمعة طيبة بين المواطنين لاختلاف جوهري في سلوكهم وأساليب تعاملهم عن الموظفين العثمانيين من الجنسيات المختلفة، إذ كانوا أكثر ليناً وأسرع اندماجاً في المجمتع القبلي السوداني.
منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة، خلا سنوات قليلة تمثّلت في حقبة الدولة المهدية الإسلاموية (1885–1899)، وعقود الإخوان المسلمين الثلاثة ( 1989–2019)، عاش الأقباط بحرية تامة في السودان، ما أتاح لهم الأخذ بزمام مبادرات تطوير الدولة السودانية الحديثة وبث المدنية في الحياة السودانية الريفية القبلية.
+يقول الباحث في شؤون الأقليات عثمان عبد الرحيم لرصيف22: "اكتسب الأقباط أهمية كبيرة، حتى أن محمد أحمد قائد الثورة المهدوية التي أسقطت الحكم العثماني استعان بهم وعين عليهم يوسف ميخائيل أميراً وأطلق عليهم اسم المسالمة، ولم يمسهم بسوءٍ رغم أن معظمهم أعلنوا إسلامهم تقيةً وخيفة.
ويضيف: "لاحقاً، أصبحت مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثُنائي المرجع التاريخي الأكثر مصداقيةً لدى المؤرخين والطلاب والباحثين بين كل الكُتب التي أرّخت لتلك الحقب من تاريخ السودان، كونه لم يكن على علاقة بالاستخبارات الأجنبية، وللصدق والثقة التي يسبغها السودانيون على الأقباط عموماً".
+ يعتقد عبد الرحيم أن الأقلية القبطية لم تمر طوال وجودها في السودان بأوقاتٍ عصيبة كالتي مرت بها إبان حكم الإخوان المسلمين، حيثُ صودرت ممتلكاتهم وأوقف بناء كنائسهم ومدارسهم وتم تقييد تجارتهم ومشاركتهم في مؤسسات الدولة وأجهزة الحكم، الأمر الذي دفع بكثيرين منهم للهجرة إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا، أما من بقي فقاوم السلطة الثيوقراطية المستبدة مع مجمل السودانيين الآخرين إلى أن تمت الإطاحة بها العام الماضي، بثورة شعبية سلمية عارمة.
بحسب عبد الرحيم، فإن ما خُفي من مساهمات الأقباط في الحركة الوطنية السودانية لنيل الاستقلال وفي الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة الديكاتورية أكثر من المُعلن عنه، مشيراً إلى أن بعض الأقباط تم اعتقالهم من قبل المستعمر البريطاني عقب ثورة اللواء الأبيض عام 1924، وأبرزهم المناضل وهبة خليل، كما أن بعضهم بذل روحه فداءً للسودان في انتفاضة أكتوبر عام 1964، مثل الشهيد لورنس ديمتري روفائيل، كما أن أول سوداني تم إعدامه عقب انقلاب الإخوان المسلمين على الديمقراطية عام 1989 (انقلاب الترابي/ البشير) كان الطيار القبطي جرجس القس بسطوس، وذلك بتهمة حيازة نقد أجنبي.
+ " لن ينسى أي سوداني دور الأقلية القبطية في التعليم النوعي بالبلاد، خاصة تعليم الفتيات، إذ أسس الأقباط عام 1902 مدرسة الاتحاد التي لا تزال صرحاً تعليمياً شامخاً يؤرخ لأكثر من مئة عام من بداية إلحاق النساء بالتعليم النظامي"، وفق عبد الرحيم الذي يردف قائلاً: "لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فتحت الكلية القبطية أبوابها للسودانيات المسلمات والمسيحيات عام 1923، بعد أن كانت تقتصر على البنين فقط، كما تخرّج منها الكثير من زعماء السودان الوطنيين وزارها وحاضر فيها إسماعيل الأزهري وهو أول رئيس وزراء سوداني بعد الاستقلال، كما زارها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر".
+ يتركز غالبية الأقباط الذين يبلغ عددهم حوالي المليون في مدينتي أتبرا شمالي السودان وأم درمان غربي العاصمة الخرطوم. هؤلاء ساهم عدد كبير منهم في إثراء الحياة السودانية بمختلف أوجهها، حتى شاركوا في الحكومة عبر موريس سِدرة الذي سماه الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري وزيراً للصحة عام 1969، وكان والده نائباً لمدير البوليس السوداني بعد الاستقلال؛ إلى أن جاءت الثورة الشعبية برجاء نيكولا عبد المسيح عضواً في مجلس السيادة الانتقالي الحالي، كما استلم الكثير من أبناء الأقلية القبطية مناصب عسكرية رفيعة في الجيش والشرطة، أبرزهم الشهيد العميد سليمان ميلاد واللواء أميرة ديمتري وغيرهما.
+ وفي مجال القصة القصيرة والنقد والصحافة يبرز أستاذ الأجيال نبيل غالي جريس، وهو مدير تحرير صحيفة "اليوم التالي" حالياً، أما في مجال التجارة والطب والهندسة والإدارة فلا تحسب مشاركاتهم ولا تعد.
+++ بعد الثورة... ماذا حدث؟
بالنسبة لمشاركة الأقباط في ثورة سبتمبر التي أطاحت بنظام البشير عام 2019، فهي معلومة ولا تخفى على أحد، فقد كان الأقباط في مقدمة الصفوف حيث كانوا من الفئات الأكثر تضرراً من نظام الإخوان المسلمين، وإن كافأتهم الثورة جزئياً بتسمية عبد المسيح عضواً في مجلس السيادة الانتقالي، إلا أن الكثير من ممتلكاتهم لا تزال مصادرة، وإن كانت هناك جهود كبيرة وحثيثة تجري لاستعادتها.





