بقلم الأب يسطس الأورشليمى
نجد في مزمُور عشية يقُول: ارحمني يارّب لأنني إليك أصرخ اليُوم كُله (مز87)، فهُو ابن ضال يُريد أن يرجع ويعُود إلى بيت أبيه، ثم في مزمُور باكر يقُول: اسمع يا الله صلاتي أصغ إلى كلام فمي (مز54)، فهُو يدخل بالصلاة في البداية ويقُول: اسمع صلاتي، وفي إنجيل الابن الضال (لو15)، عبارة عن ثلاثة أمثال في مثل واحد، فيقُول: أي إنسانٍ منكُم له مئة خرُوفٍ وضاع واحداً منها، ألاَ يترك التسعة والتسعين في البرية، ويذهب لأجل الضالّ حتى يجده؟ راجع الكتاب (لو4:15)..

هذا المثل الأول خاص بالابن، لأن الذي وجد الخرُوف الضالّ ووضعه على منكبيه، هُو الرّب يسُوع الذي قال: أنا هُو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (يو11:10)، وفي المثل الثاني يقُول: امرأة  لها عشرة دراهم، إن أضاعت درهماً واحداً، ألاَ تُوقد سراجاً وتكنُس البيت وتُفتش باجتهاد حتى تجده؟ وهُو عمل الكنيسة والرُوح القُدس أما في المثل الثالث يقُول: إنسان كان له ابنان، فقال أصغرهما لأبيه: يا أبي أعطيني القسم الذي يُصيبني من المال، فقسم لهما معيشته، ثم سافر إلى كُورةٍ بعيدةٍ، وهُناك بذّر ماله بعيشٍ مُسرفٍ، وهذا هُو عمل الآب..

في مثل الابن الضال نجد عمل الثالُوث القُدوس في المحّبة الكاملة الحقة فالابن يحمل الضال على كتفيه، والرُوح القُدس يُضيء، ويُنير له الطريق، والآب يحتضن الابن الضال ويتحنّن عليه..

وفي إنجيل عشية يقُول: يقترب إليّ هذا الشعب بفمه، ويُكرمُني بشفتيه وأما قلبه فمُبتعد عنيّ بعيداً، وباطلاً يعبدُونني وهُم يُعلّمُون تعاليم هي وصايا الناس، راجع (مت1:15-20؛ 1:20-16).. 

فالإنسان يهتم بالخارج ويترك ويهمل الداخل، والرّب يسُوع يُريد رحمة نُقدمها للنّاس، لا ذبيحة نُقدمها له، يطلب الدخُول إلى العمق حيثُ يمتلك قلبك فيتغير الخارج، نظف أولاً داخل الكأس، تغيرُوا عن شكلكُم (من الخارج)، وذلك بتجديد أذهانكُم (من الداخل)..

ثم في إنجيل باكر يتكلّم عن عمل النعمة التي ليس بها أي شرُوط بعكس النامُوس، تعمل لكي ترث أرضاً تفيض لبناً وعسلاً، هكذا يكُون الآخرُون أولين والأولُون آخرين، لأن كثيرين يُدعُون، وقليلين يُنتخبُون، فالآخرُون جاءُوا عن طريق النعمة وليس الأجرة..

في البُولس يقُول: هُوذا الآن وقت مقبُول، هُوذا الآن يُوم خلاص.. 
راجع (رو1:12-3؛ 2كو2:6-10).. 

فهُو يتكلّم عن الزمان وهُو: الآن، بينما يتكلّم في الكاثُوليكُون عن الآلة المُستخدمة وهي: اللسان الذي به نُبارك الله الآب، وبه نلعن الناس الذين قد تكُونُوا على شبه الله (يع1:3-12)، ومن الفم الواحد تخرج بركة ولعنة، ألعلّ ينبُوعاً يُنبع من نفس عين واحدةٍ العذب والمُر؟ 

هل تقدر تينة أن تصنع زيتُوناً، أو كرمة تيناً؟ ولا كذلك ينبُوع يصنع ماءً مالحاً وعذباً!! لأنك بكلامك تتبرّر، وبكلامك تُدان (مت37:12)..

سكت فمك ليتكلّم قلبك، وسكت قلبك ليتكلّم فيه الله..

أن الصوم فترة تعبدية يلزم فيها أن يُمارس الإنسان التوبة وهي نوعان:
التوبة الشاملة حينما يكون الإنسان بعيداً عن الله سائراً في طريق الشرّ..
التوبة اليومية التي تلزم لكُل إنسان يسير في طريق السماء، لأنه يحتاج إلى مراجعة النفس وإلى الندم والانسحاق عن أخطائه اليومية، ثُم يتقدم للتكفير والاغتسال بدم المسيح في سرّ التناول..

والرّب قدم مثل الابن الضال: كان لرجُل ابنان، وميز بين الابن الكبير الذي لم يترك بيت أبيه، والابن الصغير الذي طلب أن يُعطى نصيبه من ميراث أبيه، ويذهب لينفقه في شهواته ونزواته..

الابن الأكبر هُنا المقصُود به أبناء إبراهيم اليهُود..
الابن الأصغر وهُو يُشير إلى الأمم الذين انزلقوا في أعمال الطياشة، وعبادة الأوثان، والنجاسة، والفساد وما إليها..

نرى القطيعة بين اليهُود والأمم، والمقصُود بالابن الأكبر الأمة اليهُودية، وهُم من نسل إبراهيم أب الآباء وإسحق ويعقُوب، هُؤلاء الذين أخذوا المواعيد الأولى ويسمُون بنو إسرائيل، ونرى أنه بعد أن يعود الابن الضال، يذكر الكتاب أن الابن الأكبر كان في الحقل، فلما رجع وقبل أن يدخل البيت سمع غناءً ورقصاً، فاستدعى واحداً من الخدم وسأله ما هذا؟

فقال له أخوك عاد وأبوك ذبح له العجل المسمن بعد أن فرح بعودته إليه، فغضب الابن الأكبر، وذكر الرّب هذا المثل ليبين أن العداوة كانت قائمة على أشدها بين أبناء إبراهيم وبين الأمم غير اليهُودية، فقد حدثت قطيعة وانفصال بين الاثنين، على الرغم من أن الكُل أبناء آدم..

لكن مع الزمن الأمم غير اليهُودية عبدوا آلهة أخرى، وساروا في طريق الفساد ولم يلتزمُوا بالشريعة، فصارُوا في نظر اليهُود أشراراً، وحدثت القطيعة بينهُم، وهذا ما عبرت عنه المرأة السامرية حينما قالت للمسيح: كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهُودي وأنا امرأة سامرية، لأن اليهُود لا يعاملون السامريين (يو19:4)، فالمسألة وصلت إلى القطيعة..

وبالرغم أن أهل السامرة هُم أيضاً من اليهُود، ولكن اختلط بهُم الناس الآخرُون من الأمم الغريبة، فدخلت بينهُم عبادات وثنية وأيضاً الحياة الفاسدة في الشرّ والخطيئة، فصار أهل السامرة في نظر اليهُود أعداء لله ولهم، وقطعوا العلاقات معهُم واعتبروهُم كافرين..

لذلك الابن الأكبر حينما عاد الابن الأصغر الذي يُمثل الأمم غضب هذه الغضبة هي التي تمثل القطيعة، والكراهية التي صارت متولدة بين بني إسرائيل وبين الأمم غير اليهُودية، على الرغم من أنهُم من نسل آدم، لأنهم أصلاً من أولاد إبراهيم وإسحق ويعقوب..

المثل هُنا أولاً موجه لبيان أن الله أبو الكُل، لذلك يبين الأب وكيف أنه فرح بعودة ابنه، وأقام له هذا الحفل، والمعنى أن الأب هُو أب للاثنين معاً، الابن الأكبر يُمثل الابن المُقيم مع أبيه (أنت معي كُل حين)، أما الابن الأصغر فيُمثل الأمم غير اليهُودية التي انساقت إلى عبادات وثنية وإلى أخطاء في الفضيلة، فهُؤلاء ذهبُوا بعيداً، وهي تُشير إلى البعد النفسي، والأخلاقي، والبعد عن الله وعن الفضيلة..

لكن عندما رجع الابن الضال فرح به أبوه، على الرغم من أنه قال في نفسه: كم من أجير يفضل عنه الخُبز وأنا أهلك جوعاً، أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له: يا أبي أخطأت إلى السماء، وقدامك ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك أبناً، اجعلني كأحد أجرائك (لو17:15-19)..

لم يقل ذلك فقط إنما قام بالفعل واتجه إلى بيت أبيه ليقول له:
يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك ابناً، بل أجعلني كأحد أجرائك، أي أنا الآن فقدت امتياز البنوة، ولما انطلق الابن في اتجاه أبيه، ورآه أبوه من بعيد ركض الأب وجري في اتجاه ابنه ووقع على عنقه وقبله، الأب جري في اتجاه ابنه بمجرد أن وجد استعداده للعودة، فرح به وركض إليه، ووقع على عنقه وقبله..

اعتبر هذه العودة اعترافاً بخطيئته، فقال لعبيده ألبسوه الحُلة الأولى، وضعوا الخاتم في يده، وحذاء في رجليه، وهذا معناه توكيد حقيقة البنوة، واذبحوا العجل المسمن، فنأكل ونفرح لأن ابني هذا كان ميتاً فعاد إلى الحياة، وكان ضالاً فوجدناه (لو32:15)..

هذا يُمثل مشاعر الله نحو الأمم غير اليهُودية التي ذهبت بعيداً في الضلال، وعبدت الأوثان وسارُوا في طريق الفساد والخطيئة، حقاً أنه أعطاهم الحرية، لأن الابن هُو الذي طلب ذلك من أبيه فأعطاه ما طلب، وهذه تُشير إلى حقيقة الحرية عند الإنسان..

الله خلق الإنسان حراً، وعندما تركه الله يذهب ليس هذا نوعاً من الإهمال ولكن تمشياً مع مبدأ الحرية مادام هُو اختار لنفسه هذا الاتجاه، وهذا يُشير إلى أن الله لا يتدخل في اختيار الإنسان لنفسه، ونحنُ على الأرض يوجد مجال للاختيار والإنسان يتعلّم من أخطائه، لكن العظمة في هذه الحقيقة أن الله يُعاملنا معاملة الأحرار، لا يقهر إنساناً على شيء حتى الفضيلة لا يقهر عليها، يتركه وهُو الذي يختار لنفسه..

هذا الابن اختار لنفسه، وقال لأبيه أعطني القسم الذي يخصني من الميراث، فأعطاه أبوه ولا يلام الأب على هذا، لأنه أعطاه ما طلب، وإن كان هذا الأمر مُحزناً للأب، لكن حتى لا يقهر ابنه على شيء، وهذه سياسة الله الحرية، لذلك ترك الأمم انزلقت في أخطاء كثيرة..

حقاً أنه أرسل لهُم أنبياء من وقت إلى آخر ولكن سياسته سياسة الحرية، وعندما رجع الابن ركض الأب وجري نحوه، وهذا يدل على محّبة الله للخطاة حتى للأمم، محّبة الله أنه يفرح بهُؤلاء إذا عادُوا إليه..

مشاعر الله لأنه أبو الكُل كأب وكخالق يشعر بالأسى والألم عندما يبعد أحد من أولاده في طريق الضلال ولكن يفرح ويسر بعودتهم، فمجيء المسيح من السماء دليل حبه، لذلك نزل من السماء لكي يُخلّص الكُل، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كُل مَن يُؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (مت39:23؛ يو16:3)..

مجيء المسيح من السماء دليل حبه للعالم كُله، يهُوداً وغير يهُود، الكُل أولاده وخليقته، وسيفتح لهم المجال حينما يطلبُوه، هُنا الحرية، وهذا ما قاله المسيح لليهُود: هُوذا بيتكُم يترك لكم خراباً، لأني أقول لكُم أنكُم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرّب، وهذا وعداً على أنهُم سيؤمنُون به، وحينئذ يفتح الباب لهُؤلاء وأولئك..

لم يفصل الأب ابنه، إنما هذا الابن فصل نفسه عن أبيه بإرادته وابتعد عن مملكة الحُب والعطاء، عاشقاً لدرب الضلالة والفساد والتبذير مُهملاً في ذلك النعم التي كانت ميسرة له من قبل الأب، وتحت سقف الأسرة التي تتمتع بالحنان الأبوي، لقد ضل وأصبح ابناً ضالاً لأنه طمع في مال أبيه وخرج بعيداً عنه وبذر في عيش مسرف، فكانت عوامل الانفصال مكتملة في سلوكه وامتلكه إبليس وحجب عنه نور المعرفة والحكمة..

أنه مثل مَن يدفن نفسه ويقيد جسده بأربطة، ويضع على باب حياته حجراً ثقيلاً فحجب عن نفسه كُل إمدادات الحياة، وصار وحيداً في قبر العالم يتخبط في دياجير الظلام مُلتمساً أن يعيش، ولكنه صُدم بعالم لم يعرف الرحمة أخذ منه كُل شيء، فصرخ قائلاً: تركت عني ناموسك برأي وتكاسلت عن وصاياك أنا أخذت لي قضية الموت، مُؤكداً أنه مفصُول..

ذلك بسبب كثرة الغياب عن الحضرة الأبوية مصدر الحياة والنعم، حاملاً على ظهره شهادة أنه ضال وميت، يقُول: اللهم باسمك خلصني وبقوتك أحكم لي، أسمع يا الله صلاتي، وأصغ إلى كلام فمي، لأن غرباء قد قاموا عليّ وعتاه طلبُوا نفسي لم يجعلوا الله أمامهُم (مز54)..

عندما انفصل الابن عن أبيه شعر بالخزي والعري والجوع لأنه أهمل حُباً كبيراً كان يحيا تحت مظلته مُحاطاً بضوء شمس البرّ الإلهي، وحرارة نعمته الأبوية، لاشك أن انفصاله جعله يهوى إلى قاع الظُلم والطغيان، قاع الخطية والإسراف والنجاسة مع تلك الفئة من الكائنات التي يعرفها المجتمع اليهُودي بالحيوانات النجسة تهوى القذارة وعدم النظافة..

هُنا جلس مع نفسه وأعاد النظر في تصرفه وانفصاله، واتخذ قراراً حاسماً معترفاً أنه أخطأ المسار والتصرف، فقام نافضاً غبار الخطية والعار ليرجع نادماً على فعلته الردية التي تسببت في انفصاله مُعلناً مع نفسه توبة، مُتخذاً قرار الانتقال من عالم الخطية والعبودية إلى عالم حرية مجد أولاد الله، ناقلاً نفسه من الظُلمة إلى النور حاملاً على رأسه إكليل التوبة ومكتوباً عليه: ناجح ومنقول إلى حضن أبيه مرة أخرى، مُجدّداً بطاقة هويته من ضال إلى شاطر، ومن ميت إلى حيّ، بل إلى الحياة الأفضل..

حياة التوبة هي: تغيير في العقل، تفرغ الإناء القديم وتملأ الإناء الجديد، توبوا وآمنوا، لأنه قد أقترب ملكوت السماوات، والبسُوا الرّب يسُوع، بينما الإصلاح هُو: تغيير في أسلوب الحياة والسلوك في الطريق، أقوم وأذهب إلى أبي، والرّب هُو الطريق والحقّ والحياة..  

حقاً عظيم هُو قرار الرجُوع، والأعظم منه هُو ذاك الأب المُنتظر دائماً رجوعنا المشرُوط بالتوبة لكي تكون مقبولاً في العُرس الإلهي، لك نصيب في ذاك العجل المُسمّن المذبُوح من أجلك..

لأنه يقُول: في وقت مقبُول سمعتك، وفي يوم خلاص أعنتك، هُوذا الآن وقت مقبُول، هُوذا الآن يوم خلاص، أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم، فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا، قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظُلمة ونلبس أسلحة النور .. بل البسُوا الرّب يسُوع المسيح، وإنما نهاية كُل شيءٍ قد اقتربت، فتعقّلوا واصحُوا للصّلوات..

راجع (رو12:13-14؛ 2كو2:6؛ 1بط7:4)..

نعم رجع الابن الضال مهللاً قائلاً: أعنا يا إله خلاصنا من أجل اسمك، ونجنا وأغفر لنا خطايانا من أجل اسمك..
وإذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه، فتحنّن وركض ووقع على عنقه وقبله..

الله الآب ينتظرنا ويفرح بعودتنا إليه لأنه أب حنون، وهنا يظهر عظمة الفكر المسيحي حيثُ تنفرد بمحّبة الله للخطاة، لقد كان من اللازم أن يعود الإنسان إلى نفسه أولاً ليعرف مقدار وسوء حال ما هُو فيه حتى عندما يأتي إلى الآب في محبته لم يسمع الأب لابنه أن يكمل اعتذاره: أجعلني كأحد أجرائك، لأنه أب حقيقي يرفض أن يكون ابنه أجيراً..

وعندما يشعر بقبُوله في الكيان الرُوحي والأسري السماوي، يقول: كذلك الرُوح أيضاً يعين ضعفاتنا لأننا لسنا نعلم ما نُصلّي لأجله كما ينبغي ولكن الرُوح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هُو اهتمام الرُوح لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين، ونحنُ نعلم أن كُل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هُم مدعوون حسب قصده راجع الكتاب (مز9:79؛ رو26:8-28)..

تحدث التجارب بحسد من الشياطين، وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الرُوحية لأن الإنسان في الصوم يحاول أن يسلك سلوكاً رُوحياً، والشيطان أيضاً يستعد لمقاتلته، أي الاستعداد متبادل من جانب الإنسان للنمو ومن جانب الشيطان لإسقاطه، لذلك إن حلت بك التجارب لا تحزن فهذا دليل على أن صومك مقبول وقد أزعج الشيطان..

المسيحية في حقيقتها ليست مُجرد عظات وصلُوات وابتهالات، بل هي أحشاء ورأفة وحنان، تفرح في سكب العطف واللطف على القلُوب المُتضايقة المغمُومة الحزينة، وتستر كثرةً من الخطايا (1بط8:4)..

المحّبة العملية التي تتمثل في الأيادي المُتشابكة سوياً، والقلوب المُتحدة معاً في قلبه العظيم، بهذا يعرف الجميع أنكُم تلاميذي، وهكذا خلقك الله تكتمل في وحدتك مع أخوتك، فمشيئته أن نُكمل بعضنا البعض، لأنه كما أن الجسد هُو واحد وله أعضاء كثيرة (1كو12:12)..

قرأت عن نحات وهوُ ينحني إلى الأرض، راح بمطرقته وأزميله يحول قطعة من الرخام والحجر الأصم إلى تمثال رائع جميل..
مر به خادم وتفرس فيما يعمل ثُم تنهد وقال: آه .. لو كان لي مثل هذه الطرقات الفعالة على القلوب الصخرية التي أخدمها..

أجاب النحات مندهشاً: لم لا، يا سيدي؟! 
يُمكنك ذلك لو جاهدت مثلي راكعاً على ركبتيك!!
إن الله لا يمنع الضيقة حتى عن أحب الناس إليه..
إنه يكُون مع أحبائه في الضيقة، ويصنع معهُم عجباً..

لقد كان مع الثلاثة فتية في أتُون النار، حيثُ قيل: إنه كان معهُم رابع شبيه بابن الآلهة (دا25:3)، فهُو حلهُم من وثاقهُم، وتمشى معهُم وهُم محلُولُون، ولم يسمح للنار أن تكُون لها قُوة على أجسادهُم، ولا ثيابهُم فلم تحترق، إنها خبرة تمتع بها الثلاثة فتية، وما كان لهُم أن يتمتعُوا بها، إلاّ في أتُون النار! وفي الأتُون اختبرُوا الرّب يسُوع..