(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
المرحلةُ الرابعة: يسوعُ يلتقي أمَّه الحزينة
«وكانَ أَبوه وأُمُّه يَعجَبانِ مِمَّا يُقالُ فيه. وبارَكَهما سِمعان، ثُمَّ قالَ لِمَريَمَ أُمِّه: "ها إِنَّه جُعِلَ لِسقوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضَةً لِلرَّفْض.
وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة"» (لوقا 2: 34-35).
لم تذكر البشائرُ الأربع هذا اللّقاء بين يسوع وأُمّه العذراء مريم، الخاصّ بدَرْب الصليب، كما لم تذكر مقابلته معها بعد قيامته منتصرًا أيضًا. ولكن، هل يمكن أن نتخيّل غياب أُمّه، التي كانت حاضرةً بقوّة في حياته برمّتها، منذ طفولته حتّى نضوجه في "الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" (لو 2: 51)، عن هذين الحدثين المهمّين (الصليب والقيامة)؟ فهل غابت العذراءُ مريم عن أهمّ وأصعب حدثين في حياة ابنها، وكذلك بالنسبة لنا نحن المسيحيّين أيضًا؟ كلا، لقد أرادت تقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب أن تركّز على لقاء يسوع وأُمّه.. فلماذا يا ترى؟
هل لتلتقي العيون الحزينة بين الابن وأُمّه، وتقول ما لا تقدر أن تعبّر عنه كلمات الشفاه؟ أم لتسند وتساند الأُمُّ ابنها في أصعب مراحل حياته؟ أم العكس صحيح، أي ليعزّي الابنُ أُمّه الحزينة والمكلومة؟ أم ثمَّة همسة عتاب بين الأُمّ وابنها، وكأنّها تقول لابنها: لماذا سمحتَ، يا فلذة كبدي، ولماذا سمح إلهك وأبوك، أن تصل إلى هذه الحالة المأسويّة؟ أم العكس صحيح، ليقدّم يسوعُ الناصريّ لأُمّه همسة رجاء، وكأنّه يقول لها: لا تخافي، يا أُمّي، «هاءَنَذا أَجعَلُ كُلَّ شَيءٍ جَديدًا» (رؤيا 21: 5)؟
على كلّ حالٍ، سواء كان هذا اللّقاء بين يسوع وأُمّه العذراء تاريخيًّا أم لا، وبغضّ النظر عن مضمون هذا اللّقاء، الموقف ذاته واقعيّ وممكن، وفي غاية الأهمّيّة والروعة: إنّ الالتقاء –حسيًّا ووجدانيًّا ومعنويًّا وروحيًّا– بين الأُمّ وابنها في هذه المرحلة العصيبة من ذروة حياته، لهو امتدادٌ للمقابلات واللّقاءت العديدة السابقة بينهما. إنّ هذا اللّقاء بين اللّوغُس المتجسّد وأُمّه العذراء مريم، يجعلنا نتأمّل في أمرين مهمّين للغاية: بُنوّتنا لأُمّنا العذراء مريم، وبُنوّة كلّ واحدٍ منَّا لأُمّه الأرضيّة والأُمّهات الأخريات.
إنّ العذراء مريم لهي أُمٌّ روحيّة لنا، وللكنيسة، وللبشريّة جمعاء؛ فما نوعُ علاقتنا البنويّة بها؟ وهل نحن –كإخوةٍ لابنها وأبناء لها– نعزّي قلبها أم نحزنه؟ وماذا عن علاقة كلّ واحدٍ منَّا بأُمّه الأرضيّة، سواء كانت على قيد الحياة أم انتقلت إلى العالم الآخر؟ كيف حالنا معها من حيث التعبير عن العرفان بالجميل لها؟ وهل نحن نتضامن مع جميع الأُمّهات اللواتي فقدن أبناءهنَّ من جرّاء النزاعات والمعارك والحروب، بغضّ النظر عن عرقهنَّ ولونهنَّ وجنسيّتهنَّ وديانتهنَّ؟





