الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
جزءٌ كبير من اللغط الدائر اليوم في مصر حول اللاهوت والدراسات الكتابيّة لا يعود في الغالب إلى مضمون هذه الدراسات بقدر ما يعود إلى موقع من يصدر الحكم عليها. ففي كثير من الأحيان لا يصدر التقييم عن باحثين في اللاهوت أو في علوم الكتاب المقدّس، بل عن أشخاص لم يمرّوا بالتكوين العلمي في هذا المجال، ومن بينهم أحيانًا سلطات كنسيّة ذات موقع إداري أو رعوي. وهنا يصبح النقاش مشوّشًا، لأنّ السلطة التي لا تملك أدوات التخصّص تحاول أن تحاكم العمل العلمي بلغة أخرى غير لغته.
تذكّرنا هذه المفارقة بعبارة شهيرة لبليز باسكال: «حينما عجزنا عن جعل ما هو عادل قويًا، جعلنا ما هو قويّ عادلًا». ويمكن ترجمتها في واقعنا الكنسيّ ببساطة: حينما يعجز بعض من في موقع السلطة عن مجاراة البحث الأكاديميّ أو فهمه، يصبح الحلّ الأسهل هو تحويل السلطة نفسها إلى معيار حقيقة البحث الأكاديميّ اللاهوتيّ.
في هذا السياق تبدو قراءة الأب ماري-جوزيف لاجرانچ الدومنيكانيّ مهمّة اليوم. فلاجرانچ يميّز تمييزًا دقيقًا بين القيمة الدينيّة للعقيدة وبين تطوّرها الفلسفي أو المفهومي. ومثاله عن عقيدة التجسّد شديد الدلالة: الصياغة اللاهوتيّة التي تقول إنّ المسيح «شخص واحد في طبيعتين» ظهرتْ في سياق جدلٍ عقيديّ، وكانت مكسبًا حقيقيًّا للعقل لأنها قدّمت لغة دقيقة لضبط الإيمان. غير أنّ الإيمان بالمسيح لم يبدأ مع هذه الصياغة. فالنفس المؤمنة امتلكت القيمة الدينيّة الكاملة للعقيدة قبل هذا التطوّر المفهومي. لذلك يكتب لاجرانج أنّ المتأمّل الذي يريد الاتحاد بيسوع المسيح يكفيه أن يعلم أنّه الله، وأنّ امرأة عجوز قرويّة لا تميّز بدقّة بين الشخص والطبيعة لا ينبغي أن تُحرَم من تقواها، وأنّ الشهداء ماتوا معترفين بألوهيّة المسيح من دون أن يبنوا ذلك على تحليلات فلسفيّة لاهوتيّة.
هذا التمييز يلامس قلب الأزمة عندنا. فجزء كبير من التوتّر القائم اليوم حول الدراسات اللاهوتيّة والكتاب المقدّس ناتج من خلط دائم بين ثلاثة مستويات مختلفة:
إيمان المؤمن البسيط كما يُعاش في الحياة الروحيّة،
واللغة المفهوميّة التي تُصاغ بها العقائد في تطوّرها اللاهوتي،
والتحليل التاريخي الذي يدرس نشأة هذه الصياغات وتشكّلها.
ومن هنا ينشأ خوفٌ واسع من كلّ تعقيد دراسيّ، كأنّه يهدّد مباشرةً إيمان البسطاء. وفي الاتجاه المقابل يظهر أحيانًا تصوّر آخر يرى أنّ الإيمان البسيط ناقص بطبيعته ما لم يتحوّل فورًا إلى خطاب أكاديمي. أمّا لاجرانچ فيفكّك هذا الالتباس: فالإيمان الحيّ سابق على كثير من الصياغات اللاحقة، وهذه الصياغات مع ذلك تظلّ ضروريّة لأنها تحمي المعنى وتمنحه دقّة أكبر. ومن هنا أيضًا يميّز بين عمل اللاهوتي وعمل المؤرّخ أو المفسّر. فاللاهوتي يسعى إلى فهم العقيدة في اكتمالها وترابطها مع سائر الحقائق؛ أمّا المؤرّخ فيبحث عمّا كان يُفهَم في لحظة تاريخيّة محدّدة. ولشرح ذلك يستعمل لاجرانج صورة دقيقة: المؤرّخ لا يطفئ نور الحاضر لأنّه يرفضه، بل «يغلق الشيش» كما كان في الزمن القديم لكي يعرف مقدار الضوء الذي كان يدخل الغرفة فعلًا آنذاك.
هذه الصورة تلخّص مأزقًا كنسيًّا معاصرًا عندنا. فكثيرًا ما يُطلب من التفسير الكتابي أن يبدأ من العقيدة في صيغتها الأخيرة ثم يُسقِطها مباشرة على كلّ نصّ وكلّ مرحلة من مراحل التقليد. وعندها يفقد المؤرّخ حريّته المنهجيّة ويتحوّل عمله إلى مجرّد تكرار لما قيل لاحقًا. وفي الجهة الأخرى يظهر من يتعامل مع النصّ الكتابي كأنّه وثيقة تاريخيّة معزولة تمامًا عن الإيمان الذي حملها وعن الجماعة التي عاشت بها. يحاول لاجرانج الحفاظ على المسافة الدقيقة بين هذين المستويين. وهذه المسافة نفسها لم تتشكّل بعد بوضوح في ثقافتنا الكنسيّة. ولهذا يبدو النقاش حول اللاهوت وعلوم الكتاب المقدّس في مصر اليوم مشحونًا إلى هذا الحدّ: لأنّ الذين يحكمون على البحث العلمي في كثير من الأحيان ليسوا من العاملين فيه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





