الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يُظهر نصّ المرأة السامرية في يوحنّا ٤ أنّ الإيمان المسيحيّ لا يقوم في جوهره على الانبهار بمعجزة أو على الافتتان بكشف خفايا الحياة، ولكن على مسارٍ تقوده كلمة يسوع إلى معرفةٍ شخصه وقبول عطيّته. فالقصّة، كما يشرح عالِما الكتاب المقدّس فرنسيس مارتن وويليام رايت، جزء من موضوع الإيمان في الإنجيل الرابع، حيث يقدّم يوحنّا نماذج لأشخاص يصلون إلى الإيمان تدريجيًّا. تبدأ المرأة من مستوى الحياة اليومية: الماء والبئر والعطش، لكنّ يسوع يرفع الحوار إلى مستوى أعمق عندما يقول: «لو كنتِ تعرفين عطاء الله… لأعطاكِ ماءً حيًّا». هنا يتحوّل الحديث من ماء البئر إلى عطيّة الله، أي الروح القدس الذي يمنح الحياة الأبديّة.
لكنّ السؤال اللاهوتيّ هو: لماذا امرأة؟ ولماذا امرأة سامريّة بالذات، مجهولة الاسم وذات تاريخٍ شخصيّ مضطرب ومشين؟ إنّ اللقاء عند البئر في تقاليد الكتاب المقدّس يرمز كثيرًا إلى بداية علاقة عهد، كما في قصص رفقة وراحيل وصفّورة. يوظّف إنجيل يوحنّا هذا التقليد ليقدّم يسوع بوصفه العريس الإلهيّ الذي يأتي ليؤسس علاقة جديدة مع شعبه. هكذا تصبح المرأة السامرية رمزًا لشعبٍ يبحث عن الله في تاريخٍ دينيّ معقّد.
وعندما يكشف يسوع حياتها، لا ينتج ذلك إيمانًا كاملًا، لكنّه يقودها إلى خطوةٍ أولى: «أرى أنّك نبيّ». ومن هنا ينتقل الحوار إلى السؤال الحقيقي: أين تكون العبادة الحقّة؟ فيجيب يسوع بالإعلان الحاسم: «العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح والحقّ». وهنا تتحول المسألة من كونها مكانًا جغرافيًّا إلى علاقةٍ حيّة بالله، لأنّ «الله روح».
بعد اللقاء تترك المرأة جرّتها وتذهب لتخبر مدينتها. ومع أنّ شهادتها كانت بداية الإيمان، فإنّ السامريّين يقولون في النهاية: «لا نؤمن الآن عن قولك، فقد سمعناه نحن». هكذا يوضّح النصّ الفرق بين الشهادة والإيمان: الشهادة تفتح الطريق، أمّا الإيمان فيولد من سماع كلمة المسيح.
ومن هنا يحمل النصّ نقدًا ضمنيًّا لأيّ تدينٍ قائم على المعجزات أو النبوّات، لأنّ السامريّين لم يتوقّفوا عند كونه رجلًا «قال لي كلّ ما فعلت»، بل وصلوا إلى الاعتراف به «مخلّص العالم». لا يريد يسوع أن يصنع جمهورًا مبهورًا، ما يريده هو خلق مؤمنين.
وهنا تظهر المفارقة العميقة التي تلهمنا في اليوم العالمي للمرأة: أوّل مبشّر في هذه القصّة ليس رسولًا ولا كاهنًا ولا عالم شريعة، بل امرأة سامريّة مهمَّشة ربّما منبوذة لسلوكها الأخلاقيّ. إنّ الإنجيل يضع امرأة في قلب الحدث ليقول إنّ الرسالة لا تنبع من المكانة الاجتماعيّة، ولا من ماضي مليء بالقداسة، بل من اللقاء الحقيقي مع شخص يسوع المسيح. فالمرأة التي جاءت إلى البئر تطلب ماءً عاديًّا خرجت منه حاملة خبرًا غيّر مدينة بأكملها،
انظر:
Martin, Francis, and William M. Wright IV. The Gospel of John. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2015.
اللوحة للفنان: خوليو روميرو ده تورّيس (١٨٧٤-١٩٣٠)، متحف خوليو روميرو، قرطبة، إسبانيا.
Oil on canvas. 1920. Museo Julio Romero de Torres, Cordoba, Spain.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





