الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
قصّة نابوت اليزرعيليّ في سفر الملوك الأوّل ليست حادثة قديمة في تاريخ إسرائيل فحسب بل تعدّ نموذجًا نبويًّا يكشف كيف يعمل الظلم حين تتحالف السلطة مع الطمع والقوّة والعنف واستغلال القانون.

يروي النص أنّ آحاب الملك اشتهى كرم نابوت لأنّه ملاصق لقصره. رفض نابوت البيع لأن الأرض ميراث آبائه. غير أنّ السلطة حين ترغب في شيء تبحث دائمًا عن طريقة للالتفاف على العدالة. دبّرت إيزابيل مؤامرةً قضائيّة، فاتُّهم نابوتُ زورًا بالتجديف، ثم رُجم وقُتل، واستولى الملك على الكرم.

عند هذه اللحظة يظهر إيليّا النبيّ. لا ليعلن لغزًا عن المستقبل، فللنبيّ دورٌ آخر غير الشائع، فهو يكشف الظلم في الحاضر على ضوء كلمة الله. يقول للملك:
«أقتلتَ وورثتَ أيضًا؟» (١ مل ٢١: ١٩). هذه الجملة القصيرة تختصر معنى النبوّة في الكتاب المقدّس. النبيّ هنا لا يقرأ الطالع، إنّه يقرأ الواقع في ضوء كلمة الله ويسمّي الظلم باسمه من دون خوف من السلطة الباطشة.

حين ننظر إلى تقليد الأنبياء في الكتاب المقدّس نكتشف شيئًا لافتًا: النبيّ الحقيقيّ نادرًا ما يقف إلى جانب السلطة فهو علي عكس "الأنبياء الكذبة"، غالبًا ما يقف في مواجهتها. فقد وبّخ ناثان النبيّ داود الملك بعد جريمته (٢ صم ١٢: ٧)، وندّد عاموس النبي بظلم الأغنياء واستغلال الفقراء (عا ٥: ١١–١٢). وفي العهد الجديد وقف يوحنا المعمدان في وجه الحاكم هيرودس بسبب ظلمه، وهو ما أدّى إلى قطع رقبته (مر ٦: ١٧–١٨).

من هنا يمكن فهم كيف يعمل الخطاب النبويّ في كلّ زمن. فالنصوص النبويّة لا تبقى حبيسة الماضي، بل تكشف آليّات الظلم حين تتكرّر في التاريخ. وحين يستخدم الرؤساء أو الحكّام سلطتهم لتكريس الظلم، أو لتبرير الاستيلاء على حقوق الآخرين، أو لإضفاء شرعيّةٍ دينيّة على سياسات القوّة والعنف، يعود صوت إيليا ليتردّد من جديد: «أقتلتَ وورثتَ أيضًا؟».

لهذا فالنبوّة ليست إعلانًا عن مصير الدول ولا مباركة للرؤساء، ولا كُتبَتْ لتطبّق حرفيًّا علي حروبٍ وغزواتٍ معاصرة يقودها رئيس باركَه الله، إنّها كلمةٌ نقديّة تكشف انحراف السلطة وتقضّ مضجعها. النبيّ لا يعمَل مبرّرًا للحاكم (مطبّلاتي)، ولكنه ضميرٌ حيّ ينطق بكلمة الله ليذكّره بحدود السلطة أمام عدالة الله.

إذًا حين تُستعمل لغة «النبوّة» اليوم لتبرير سياسات رؤساء أو لتقديمهم بوصفهم أدوات مباشرة لمشيئة الله، ينبغي أن نتذكّر تقليد الأنبياء في الكتاب المقدّس. فالأنبياء لم يكونوا مفسّرين للسلطة، بل شهودًا لكلمة الله في وجهها وفي نقدها ومواجهتها.
ولهذا يبقى سؤال إيليا موجّهًا إلى كلّ سلطة في كلّ زمن: «أقتلتَ وورثتَ أيضًا؟». هذا معنى أنّ النبوّة لم تمت وتستمرّ.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى...