الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

في تقديري تكمن الأزمة العميقة في الشرق الأوسط ليس فقط في القوانين أو الدساتير، بل في "العقليّة السائدة" نفسها. فالمشكلة أعمق من النصوص القانونية؛ إنها مشكلة في طريقة التفكير التي يختلط فيها المجال الدينيّ بالمجال المدنيّ.
 
ففي الوعي العام كثيرًا ما يُنظر إلى الدولة كأنّها امتدادٌ طبيعيّ للجماعة الدينيّة، لا بوصفها جماعةً سياسيّةً تضمّ مواطنين قد يختلفون في معتقداتهم الدينيّة.
 
غير أنّ التمييز بين الدين والدولة لا يعني إقصاء الدين من الحياة العامّة (كما يروّج بعضهم)، بل يعني "وضع كلّ مجال في نطاقه الصحيح".
 
فالدين بطبيعته يخاطب جماعة المؤمنين به. الكنيسة جماعةٌ مسيحيّة، والمسلمون جماعةٌ دينيّة لها شريعتها، وكذلك اليهود أو البهائيّون أو البوذيّون أو الهندوس. في هذا المجال تصبح القواعد موجّهةً إلى أتباع الدين لأنّهم اختاروا الانتماء إليه.
 
أمّا الدولة فطبيعتها مختلفةٌ تمامًا. فالدولة ليست جماعةً دينيّة، الدولة جماعةٌ سياسيّة تقوم على مفهوم المواطنة. ما يجعل الإنسان مواطنًا في دولةٍ ما ليس دينه ولا أصله ولا نسبه، بل حصوله على جنسيّتها وما يرتبط بذلك من حقوق وواجبات. ومن ثمّ ينبغي أن تقوم القوانين المدنيّة على مبدأ المواطنة المتساوية والكاملة بين جميع المواطنين.
 
هذا التمييز بين المجالين ليس فكرة حديثة فحسب، بل يجد جذوره أيضًا في التقليد المسيحيّ نفسه. ففي الإنجيل يقول المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (مرقس 12: 17).
 
وقد فهم التقليد المسيحيّ، في أغلبه، هذه العبارة بوصفها تمييزًا بين السلطة الزمنيّة والسلطة الدينيّة. وقد عبّر المجمع المسكونيّ الڤاتيكاني الثاني عن هذا المبدأ بوضوحٍ في "فرح ورجاء" رقم ٧٦:
 
«إنّ الكنيسة والجماعة السياسيّة مستقلّتان كلٌّ عن الأخرى في مجالها الخاصّ». ويضيف النصّ نفسه: «ومع ذلك فإنّهما، وإن اختلف عنوانهما، تخدمان الدعوة الشخصيّة والاجتماعيّة للإنسان نفسه» (فرح ورجاء، رقم ٧٦).
 
ومن جهةٍ أخرى شدّد إعلان "الحرية الدينيّة" على مبدأ أساسيّ يتعلّق بكرامة الإنسان: «للشخص البشريّ حقٌّ في الحرّيّة الدينيّة» (كرامة الإنسان، ٢). ويتابع النص: «لا يجوز إكراه أحدٍ على العمل خلافًا لضميره» (كرامة الإنسان٢). وهذا يعني أنّ الإيمان لا يمكن فرضه بالقانون، لأنّ الإيمان فعلٌ حرّ ينبع من ضمير الإنسان.
 
وقد شدّد البابا يوحنّا بولس الثاني على هذا المبدأ حين قال: «إنّ الحرّيّة الدينيّة، بما أنّها متطلّبٌ أساسيّ لكرامة كلّ إنسان، هي حجر الزاوية في بنية حقوق الإنسان» (رسالة يوم السلام العالميّ، ١٩٩١).
 
كما أكّد البابا بندكتوس السادس عشر أهمّيّة ما سمّاه «العلمانيّة الصحيّة للدولة»، حين أشار إلى أنّ: «العلمانيّة الصحيّة للدولة تضمن الحرّيّة الدينيّة وتتيح للدين أن يؤدّي دوره في المجتمع» (خطاب إلى السلك الدبلوماسيّ، ٢٠٠٩).
 
وفي السياق نفسه يذكّر البابا فرنسيس بأنّ التعدّديّة في المجتمع الحديث يجب أن تقوم على احترام الاختلاف: «إنّ التعدّديّة الصحيّة، التي تحترم الاختلافات وتقدّرها، لا تعني خصخصة الأديان أو إقصاءها من المجال العامّ» (فرح الإنجيل، عدد ٢٥٥).
 
في ضوء هذا التعليم يصبح الفرق بين "القانون والدين" أكثر وضوحًا. فالقانون يتعامل مع أفعالٍ خارجيّة يمكن التحقّق منها وتنظيمها، ومخالفة القانون يمكن قياسها وتترتّب عليها عقوباتٌ محدّدة.
 
أمّا الدين فيتعلّق أساسًا بضمير الإنسان وبعلاقته بالله. فلا سلطة على الأرض تستطيع أن تقيس عمق إيمان الإنسان أو أن تحدّد درجة تديّنه. ما يهمّ الدولة إذًا هو أمرٌ واحد: احترام القانون الذي يحمي حقوق المواطنين ويحفظ استقرار المجتمع. أمّا الإيمان فمجاله الضمير، وهو علاقة بين الإنسان والله. لهذا السبب فإنّ "العلمانيّة الصحيحة" في ضوء تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة لا تراها حربًا على الدين، بل "ضمانةٌ لحرّيّة الدين". فهي تحمي الدولة من أن تتحوّل إلى أداةٍ لفرض عقيدةٍ بعينها، وتحمي الدين من أن يتحوّل إلى أداةٍ في صراعات السلطة.
 
إنّ التحدّي الحقيقيّ في منطقتنا ليس فقط تعديل القوانين، بل تحرير العقل من الخلط بين المجال الدينيّ والمجال المدنيّ. فعندما يصبح التمييز بين المجالين أمرًا بديهيًّا، يمكن عندئذ بناء دولةٍ عادلة تحمي الإيمان، وفي الوقت نفسه تحمي حرّيّة جميع المواطنين.