(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

المرحلةُ الخامسة: سِمعان القِيرينيّ يعين يسوعَ على حمل الصليب
«وبَينما هم ذاهِبونَ بِه، أَمسكوا سِمعان، وهو رَجُلٌ قِيرينيٌّ كانَ آتِيًا مِنَ الرِّيف، فجَعَلوا علَيهِ الصَّليبَ لِيَحمِلَه خَلْفَ يَسوع» (لوقا 23: 26).
 
بعد سقطة يسوع الناصريّ الأُولى، ثمَّة شخصٌ ريفيّ قد أعانه –بعض الشيء– على حمل صليبه المنهِك، واسمه "سِمعان" (شمعون). ويعني هذا الاسم، وفقًا لجذوره الساميّة، "المستمع، والمطيع، والمستجيب". أجل، لقد أمسكوه عَنوةً وجبرًا، ولكنّه، انطلاقًا من اسمه، وربَّما من شخصه أيضًا، كان مستمعًا، ومطيعًا، ومستجيبًا. 
 
لقد حَمَلَ "المستمع، والمطيع، والمستجيب" صليب الناصريّ؛ وبهذا المعنى فَعَلَ ما فعله يسوع من قبله، أي أنّه اقتفى أثره واحتذى به. والمفارقة الحقيقيّة أنّ سِمعان حمل الصليب ليس أمام يسوع المتعَب، وإنّما خلفه، أي كتلميذٍ يسير وراء معلّمه. وبكلماتٍ أُخرى أكثر وضوحًا، لقد استمع وأطاع كتلميذٍ حيال معلّمه؛ فكلُّ تلميذٍ مسيحيّ أصيل يحمل الصليب خلف معلّمه ويتبعه (متّى 16: 24-25). وعلى هذا النحو، ولكونه تلميذًا وتابعًا للمعلّم يسوع الناصريّ، استطاع سِمعان حَمْل الصليب الثقيل؛ فبالحقيقة، كيف لإنسانٍ –أيًّا كانت قدراته الجسمانيّة والنفسيّة– أن يحمل صليب ابن الله المتجسّد، معه وبعده؟
 إنَّ كلّ مسيحيّ مدعوٌ، كتلميذٍ أصيل، إلى حَمْل صليب معلّمه يسوع المسيح؛ ليس حرفيًّا، وفي أورشليم القرن الأُوّل، وإنّما في عَالَمنا المعاصر، الذي لا يتنكّر لعمليّة حَمْل الصليب فحسب، وإنّما لصليب يسوع الناصريّ وحقيقته وجدوته وقوّته (1 قورنتِس 18: 23-24). فهل مِن صدى فينا لكلمات القدّيس بولس هذه: «فإِنِّي لم أَشَأْ أَن أَعرِفَ شَيئًا، وأَنا بَينَكُم، غَيرَ يسوعَ المسيح، بل يسوعَ المسيحَ المَصْلوب» (1 قورنتِس 2: 2).
 
وهل سيجد يسوعُ الناصريّ في عصرنا، وبيننا، أيَّ "سِمعان"؟ 
 
ما حَدَثَ بين سِمعان القِيرينيّ ويسوع الناصريّ لهو نموذجٌ لنا في تعاملنا مع الآخرين وتعاملهم هم معنا أيضًا. فمَن منَّا لا يحتاج إلى "سِمعان القِيرينيّ" ليعينه –بعض الشيء– في جوانب شتّى من حياته؟ وهل يمكننا –بمحبّةٍ وحرّيّة وطاعة– أن نفعل مع الآخرين ما فعله سِمعان القِيرينيّ مع يسوع الناصريّ؟ لا شكّ أنّنا، من خلال هذا كلّه، نعين يسوعَ المسيح على حَمْل صليبه في عصرنا. «فَلْنَعْمَلِ الخَيرَ ولا نَمَلَّ، فنَحصُدَ في الأَوانِ إِن لم نَكِلّ. فما دامَت لَنا الفُرْصَةُ إِذًا، فَلْنَصنَعِ الخَيرَ إِلى جَميعِ النَّاس ولا سِيَّما إِلى إِخوَتِنا في الإِيمان» (غلاطية 6: 9-10).