بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أن الخليقة أخضعت للبُطل؟! لماذا صارت فاسدة ؟!           
بسببك أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسداً ميتاً قابلاً للآلام، تقبلت الأرض لعنة، وقد لعنها الله فأنبتت شوكاً وحسكاً، حتى السماء إذ تبلى مع الأرض ستتحُول إلى حالة أفضل (مز25:102؛ إش6:51)، من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك، هي تبيد وأنت تبقى وكُلها كثُوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير، وأنت هُو وسنُوك لن تنتهي، ارفعُوا إلى السماوات عيُونكُم وانظرُوا إلى الأرض من تحت، فإن السماوات كالدخان تضمحل والأرض كالثوب تبلى وسكانها كالبعُوض يمُوتُون..
 
  لقد حاصر الخليقة الشرّ لأجلك وصار مفسداً، مع أنها لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضاً سيحدث عدم الفساد، هذا هُو معنى: على رجاء،  أنها أخضعت ليس طُوعاً، لا ليظهر أن ما قد حدث لها، وإنما لكي نتعلم المسيح للكُل، فإن أصلاح الخليقة لا يكُون من ذاتها..
 
  لأن الخليقة نفسها أيضاً ستعتق من عبُودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله، الآن ما هي هذه الخليقة ؟! يقُول: ستعتق من عبُودية الفساد، بمعنى أنها لا تعُود تصير فاسدة، وإنما تتمشى جنباً إلى جنب مع الجمال الذي يُوهب لجسدك، فكما أنه عندما صار جسدك فاسداً فسدت هي أيضاً، هكذا الآن إذ صار جسدك غير فاسد تتبعه هي أيضاً، وإذ يُعلن هذا يبلغ إلى النتيجة وهي: إلى حرية مجد أولاد الله، فتتحقق بذلك حريتها..
 
  لماذا أنت مرتبك عند تجاربك أيها الإنسان؟!
  إن كنت تتألم من أجل نفسك، فحتى الخليقة تتألم بسببك، لأنه إن كانت الخليقة التي أوجدت بكاملها لأجلك هي على رجاء، فكم بالأولى يليق بك أن تكُون على رجاء، يا مَن من خلالك ستتمتع الخليقة بتلك الخيرات؟!
 
  أن الخليقة التي تئن على رجاء، هي جماعة السمائيين الذين كمَن هُم يئنُون من أجل الإنسان ليفرحُوا بتمتعه بالبنُوة، وكما قال المسيح: هكذا يكُون فرح قدام ملائكة الله بخاطيء واحد يتُوب ( لو10:15)..
 
 إن كانت الخليقة التي تتمتع بالخيرات من أجلنا إذ سقطت تحت الفساد بسببنا تترجى مجدنا كأولاد لله لتلبس عدم الفساد، فإنها في هذا الانتظار كمن في حالة ولادة مُستمرة تنتظر جديداً، إذ يقُول: فإننا نعلم أن كُل الخليقة تئنّ وتتمخّض معاً إلى الآن، هذا حال الخليقة التي أوجدت من أجلنا، فكم بالحريّ يليق بنا أن نئن نحنُ أيضاً، ونتمخض بالآلام من أجل تمتعنا بكمال مجد البنوة لله؟! ليس هكذا فقط، بل نحنُ الذين لنا باكورة الرُوح نحنُ أنفسنا أيضاً نئنّ في أنفسنا، متُوقعين التبنيّ فداء أجسادنا (23)..   
 
 أن باكُورة الرُوح الذي نلناه يدفعنا لهذا الأنين الداخلي المملُوء رجاءً  هذه الباكُورة عظيمة للغاية، لا تقف عند غفران الرُوح لخطايانا، وإنما أيضاً تهبنا البرّ والتقديس، وقد ظهرت هذه الباكُورة في العصر الرسُولي بإخراج الشياطين، وإقامة المُوتى خلال ظلهُم وثيابهُم (أع15:5؛ 12:19)، فإن كانت هذه هي الباكُورة، فماذا يكُون كمال الرُوح ؟!  
 
   إننا نتُوقع كمال مجد البنُوة بقيامة الجسد من الأمُوات، لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت عدم مُوت (1كو53:15؛ في21:3) الذي سيُغيّر شكل جسد تُواضعنا ليكُون على صُورة جسد مجده، بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كُل شيٍء، إذاً ما نلناه كباكُورة الرُوح إنما يفتح باب الرجاء للإنسان ليُجاهد بالصبر حتى يبلغ كمال الرُوح الذي يمجّده بكليته نفساً، وجسداً، ورُوحاً على مستُوى أبدي..
 
 قال: لأننا بالرجاء خلصنا، ولكن الرجاء المنظُور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجُوه أيضاً؟! ولكن إن كنا نرجُو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصّبر (24-26)، فماذا يعني بالرجاء خلصنا؟!
 
   أي لا نطلب كُل شيء لنا في هذه الحياة، وأن يكُون لنا رجاء أيضاً، مُؤمنين أن ما وعدنا به الله يحققه لنا، بهذا نحنُ خلصنا، فإن فقدنا الرجاء نفقد كُل ما نلناه، ألم تكن خاضعاً لخطايا بلا حصر؟  
 
ألم تكن تحت الحكم؟ ما الذي خلصك إذن ؟!!
 
   الرجاء في الله وحده، وثقتك من جهة مُواعيده وعطاياه، فإنه ليس لك شيء آخر تقدمه له، إن كان هذا الذي خلصك، فلنتمسك به الآن أيضاً، فمَن قدم لك بركات عظيمة لا يمكن أن يخدعك، لقد وجدك ميتاً ومُحطماً وسجيناً وعدواً، فجعلك صديقاً، وابناً، وحراً، وباراً، ووارثاً معه..