(١٩٢٩-١٤ مارس ٢٠٢٦)
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رحل اليوم أحد أبرز فلاسفة العصر الحديث: يورجن هابرماس، المفكّر الألماني الذي أثّر بعمق في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة. فقد دافع طوال مسيرته عن فكرة أساسية مفادها أنّ المجتمع الديمقراطي لا يقوم على القوّة أو الدعاية، بل على الحوار العقلاني بين المواطنين داخل ما سمّاه «المجال العام». ولهذا ارتبط اسمه بنظريات حول الديمقراطية التداولية، والعقل التواصلي، ودور النقاش الحر في تشكيل الحياة السياسية الحديثة.
الحوار التاريخي بين الكاردينال جوزيف راتسنجر وهابرماس
يقدّم هذا الكتاب حوارًا فكريًّا فريدًا بين اثنين من أبرز مفكّري عصرنا: جوزيف راتسينجر (البابا بندكتوس السادس عشر) وهابرماس، أحد أهم فلاسفة العصر الحديث. يجتمع في هذا اللقاء عالمان فكريان كبيران ليتناقشا في مسألة من أعمق مسائل الفكر السياسي والأخلاقي المعاصر: ما الأسس التي يمكن أن تقوم عليها دولة حرّة ومسالمـة تحفظ كرامة الإنسان؟
ينطلق الحوار من سؤال مركزي: كيف يمكن منع مسار الحداثة والتحديث من الانحراف؟ وهل يستطيع الدين أن يضع حدودًا للعقل، كما يمكن للعقل بدوره أن ينقّي الدين ويحدّ من انحرافاته؟
يحمل النقاش عنوان «الأسس الأخلاقية ما قبل السياسية للدولة الحرّة»، أي البحث في الأسس العميقة التي يقوم عليها مجتمع إنساني كريم. وقد عنون الكاردينال راتسينجر مداخلته بعبارة: «ما الذي يحفظ العالم متماسكًا». ففي مثل هذا التأمل الجوهريّ تنكشف الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها فكر كل طرف، سواء كانت دينية أم علمانية، لأنّها تُعرَض على محكّ النقاش العام والحجّة العقلية.
لدى هابرماس تتجسّد هذه الأسس في "العقل العملي لفكر علماني ما بعد ميتافيزيقي"، أما لدى راتسينجر فتقوم على واقع الإنسان بوصفه خليقة صادرة عن خالقها، وهو واقع يسبق كل اتفاق عقلاني أو تشريع جماعي.
يوثّق هذا الكتاب الحوار الشهير الذي عُقد في ١٩ يناير-كانون الثاني ٢٠٠٤ في الأكاديمية الكاثوليكية في باڤاريا. وقد أثار هذا اللقاء اهتمامًا واسعًا منذ نشره، ولم يزل يحظى بانتشارٍ كبير حتى اليوم، كما تشهد على ذلك طبعاته المتعددة وترجماته إلى لغات عديدة، بما في ذلك لغات خارج أوروبا. ولم تفقد الأفكار المطروحة فيه شيئًا من راهنيتها، لأنّ السؤال الذي يناقشه — العلاقة بين العقل والدين في تأسيس المجتمع الحر — لم يزل من أكثر أسئلة عصرنا إلحاحًا.
برحيل هابرماس يفقد الفكر العالمي أحد أهم المدافعين عن العقل النقدي والحوار الديمقراطي. لكنّ إرثه الفكري، وكذلك هذا الحوار العميق مع راتسنجر، سيظل شاهدًا على أنّ الأسئلة الكبرى حول العقل والإيمان والمجتمع لم تزل مفتوحة وتستحق التفكير.
ترجمة عرض الكتاب عن الألمانيّة من موقع دار النشر
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





